الصفحة 99 من 118

وانتصابُ"جَنَابَيْهَا"على الظرفيَّةِ المكانيَّةِ؛ لأنَّه بمعنى الناحيتينِ، وهذا مُبْهَمٌ عن الإبهامِ اختصاصُه بالإضافةِ، كما تقولُ: جَلَسْتُ مَكانَ زيدٍ، وقَعَدْتُ مَوْضِعَه، وزيدٌ مكانُ عبدِ اللهِ ومَوْضِعُه، وفي أمثلةِ سِيبويهِ: هما خَطَّانِ جَنَابَتَيْ أَنْفِها بالتأنيثِ، وأَوْرَدَه في صِنْفِ الْمُبْهَمِ، والإبهامُ فيه ظاهِرٌ، كما ذَكَرْنا، ونَظَرَه سِيبويهِ بقولِ الأَعْشَى: (البحر البسيط) .

نحن الفَوارِسُ يومَ الْحِنْوِ ضاحيةً ... جَنْبَيْ فُطيمةَ لا مَيْلٌ ولا عَزْلُ

وفُطَيْمَةُ: جَبَلٌ، وقيلَ: امرأةٌ قَعَدَتْ مع بَناتِها، وقاتَلَ قومُها عنها، ولم تَخْتَصَّ الْجَنبتانِ بإضافتِهما إلى الْجَبَلِ والمرأةِ، بل هو باقٍ على إبهامِه؛ لأنَّ أَصْلَه الإبهامُ، وإنما عَرَضَ له الاختصاصُ في التركيبِ، بخِلافِ المسجِدِ والدارِ، مِمَّا لا يَنْطَلِقُ على كلِّ مَوضِعٍ، بل هو بأصْلِ وَضْعِه لِمُعَيَّنٍ مخصوصٍ.

ويُرْوَى: حَوَالَيْهَا، وهو بمعنى جَنَابَيْهَا، يُقالُ: قَعَدُوا حَوْلَهُ, وحَوالَهُ، وأحوالَه، وَحَوْلَيْهِ، وحوالَيْهِ، قالَ اللهُ تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} وقالَ الشاعرُ:

وأنا أَمْشِي الدَّأَلَى حوالِكَا.

وقالَ آخَرُ:

ماءٌ رَواءٌ ونصي حَوْلَيْه. ِ

وفي الحديثِ: (( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ) )، والعامِلُ هنا محذوفٌ، أي: أَنْزِل الْمَطَرَ حوالَيْنَا، ولا تُنْزِلْه عَلَيْنا، وقالَ امرُؤ القَيْسِ: (البحر الطويل)

فقَالَتْ سَبَاكَ اللهُ إنك فاضِحِي ... ألسْتَ تَرَى السُّمَّارَ والناسَ أَحْوَالِي

ولم يُسْمَعْ"أَحْوَالِي"بهذا المعنى إلا في هذا البيتِ.

وضَميرُ جَنَابَيْهَا، أو حَوَالَيْهَا لسُعادَ التي ذَكَرَ أنه لا يُبَلِّغُه أرْضَها إلا العِتاقُ الْمَراسيلُ التي وَصَفَها , أي: أنَّ الوُشاةَ يَسْعَوْنَ إليها بوَعيدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ، وجُملةُ،"يَسْعَى الوُشاةُ حَوَالَيْهَا"مُستأنَفَةٌ للتَّخَلُّصِ للمَدْحِ، أو حالٌ مِن سُعادَ، أي: فارَقْتُ, والحالُ أنَّ الوُشاةَ يَسْعَوْنَ حَوْلَها.

وقولُه:"وقولُهم"الواوُ واوُ الحالِ، وما بعدَها مرفوعٌ بالابتداءِ، والجملةُ بعدَه خبرٌ، وهي نفسُ المبتدأِ في المعنى، فلا تَحتاجُ إلى رَابطٍ، ويُرْوَى بنَصبِ ما بعدَ الواوِ على أنه مَصدرٌ نابَ مَنابَ فِعْلِه، مِثلَ: سُبحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ، بمعنى: أُسَبِّحُه وأَعوذُ به، أي: يَسْعَوْنَ, ويَقولونَ، والواوُ على هذا واوَ العَطْفِ، ويَضْعُفُ أن تكونَ واوُ الحالِ حتى يُقَدَّرَ أنَّ الأَصْلَ وهم يَقولونَ، لتكونَ الواوُ دَاخلةً على الجملةِ الاسمِيَّةِ.

ويُرْوَى: وقِيلُهم رَفعًا ونَصْبًا، قالَ قولًا، وقِيلًا، وقالًا، ومَقَالًا، ومَقالَةً.

وقولُه:"يا ابنَ أبي سُلْمَى"جُملةٌ مُعْتَرِضَةٌ بينَ اسمِ إنَّ وخَبَرِها، ونَسَبَ بُنُوَّتَه لِجَدِّه، كقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ) ). وسُلْمَى بضَمِّ السينِ: قالَ التِّبريزيُّ: وليس في العربِ سُلْمَى بالضمِّ غيرُه.

وقولُه:"لَمَقتولُ"أي: لصائِرٌ إلى القَتْلِ، ومِثلُه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وفي الحديثِ: (( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت