الفصلُ الثاني
في بيانِ بَحْرِ هذه القصيدةِ وعَرُوضِها وضَرْبِها وقافِيَتِها وما اشْتَمَلَتْ عليه مِن المعاني إجمالًا.
فنقولُ: هي مِن بحرِ البسيطِ، وهو ثمانيةُ أَجزاءٍ كالطويلِ، إلا أنَّ سُبَاعِيَّه مُقَدَّمٌ على خُمَاسِيَّه فإنه مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ أربعَ مَرَّاتٍ، والطويلُ: فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ أربعَ مَرَّاتٍ، وعَروضُها مَخْبُونَةٌ، أي: مَحذوفةُ الأَلِفِ، فتَصيرُ: فَعِلُنْ بتحريكِ العينِ كما كانت قبلَ حَذْفِ الألِفِ وهي العَروضُ الأُولَى مِن أَعارِيضِ البسيطِ الثلاثةِ وبَيْتُها مِن (البحر البسيط)
يا حَارُ لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بدَاهيةٍ ... لم يَلْقَها سُوقةٌ قَبْلِي ولا مَلَكُ
وضَرْبُها مَقطوعٌ، أي: محذوفٌ مِن وَتَدِه المجموعِ حرْفٌ متَحَرِّكٌ أو زِنَةُ حَرْفٍ مُتَحَرِّكٍ، فيَبْقَى على فالِنْ فيُنْقَلُ إلى فَعْلِنْ بسكونِ العينِ، وهذا الضَّرْبُ الثاني مِن أَضْرُبِ البسيطِ الستَّةِ ومِن ضَرْبِ العَروضِ الْمَخبونةِ والرِّدْفُ لازمٌ لهذا الضَّرْبِ، وبيتُه: والقائلُ أبو دُؤَادٍ الإياديُّ والبحر البسيط:
قد أَشْهَدُ الغَارةَ الشعواءَ تَحْمِلُنِي ... جَرْدَاءُ مَعروفةُ اللَّحْيَيْنِ سُرْحُوبُ
ولْنُقَطِّعِ البيتَ الأوَّلَ ليُقاسَ عليه نَظائِرُهُ:
بانَتْ سُعَا: مُسْتَفْعِلُنْ، دُ فَقَلْ: فَعِلُنْ، دَخَلَه الْخَبْنُ بحَذْفِ ألِفِ فَاعِلُنْ، وهو زِحافٌ جائزٌ في حَشْوِ هذا البحرِ، بِلْيَوْمَ مَتْ: مُسْتَفْعِلُنْ، بُولُو: فَعْلُنْ محذوفٌ، مُتَيَّمُنْ: مُتَفْعِلُنْ، إِثْرَهَا: فاعِلُنْ، لم يَفْدِ مَكْ: مُسْتَفْعِلُنْ: بُولُو: فَعْلُنْ، محذوفٌ مَقطوعٌ مُرْدَفٌ فإن قلتَ: الحذْفُ في الضَّرْبِ واقعٌ على ما ذَكَرْتَ، فما بالُ العَروضِ جاءتْ مَحذوفةً أيضًا، وإنما ذَكَرْتَ أنها مَخبونةً؟ قلتُ: تَصريعُ البيتِ أَوْجَبَ ذلك، ومعنى التصريعِ: أن تَجْعَلَ العَروضَ الْمُخالِفَةَ للضَّرْبِ كالضَّرْبِ في الوَزْنِ والإعلالِ، مع تَحْلِيَتِها بحَرْفِ الرَّوِي.
وقافيةُ هذه القَصيدةِ مِن الْمُتَوَاتِرِ، وهو الذي يَقعُ بينَ ساكِنَيْهِ حَرْفٌ واحدٌ مُتَحَرِّكٌ، شاهِدُه ـ قالَ ابنُ الدُّمَيْنَةِ: (البحر الطويل)
ألا يا صَبَا نَجْدٍ متى هِجْتَ مِن نَجْدِ ... لقد زَادَنِي ذِكراكَ وَجْدًا على وَجْد