الصفحة 12 من 118

وأَوَّلُ شيءٍ اشْتَمَلَتْ عليه هذه القَصيدةُ التشبيبُ، وهو عندَ الْمُحَقِّقِينَ مِن أَهلِ الأَدَبِ جِنْسٌ يَجْمَعُ أربعةَ أنواعٍ:

(أحدُهما) [1] : ذِكْرُ ما في المحبوبِ مِن الصفاتِ الْحِسِّيَّةِ والْمَعنوِيَّةِ كحُمرةِ الْخَدِّ، ورَشاقةِ الْقَدِّ، وكالجلالَةِ والْخَفَرِ.

والثاني: ذِكْرُ ما في الْمُحِبِّ مِن الصفاتِ أيضًا، كالنُّحولِ والذُّبولِ، والْحُزْنِ والشَّغَفِ.

والثالثُ: ذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بهما مِن هَجْرٍ ووَصْلٍ، وشَكْوَى واعتذارٍ، ووَفاءٍ وإخلافٍ.

والرابعُ: ذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بغيرِهما بسبَبِهما، كالوُشاةِ والرُّقباءِ.

ويُسَمَّى النوعُ الأَوَّلُ تَشبيبًا أيضًا، وبيانُ التشبيبِ فيها أنه ذَكَرَ مَحبوبتَه، وما أصابَ قَلبَه عندَ ظَعْنِها، ثم وَصَفَ مَحاسِنَها، وشَبَّهَهَا بالظَّبْيِ، ثم ذَكَرَ ثَغْرَها ورِيقَها، وشَبَّهَها بخَمْرٍ مَمزُوجَةٍ بالماءِ، ثم إنه اسْتَطْرَدَ مِن هذا إلى وَصْفِ ذلك الماءِ، ثم مِن هذا إلى وَصْفِ الأَبْطَحِ الذي أُخِذَ منه ذلك الماءُ، ثم رَجَعَ إلى ذِكْرِ صِفاتِها، فوَصَفَها بالصَّدِّ، وإخلافِ الوَعْدِ، والتلَوُّنِ في الوُدِّ، وضَرَبَ لها عُرقُوبًا مثلًا، ثم لامَ نفسَه على التَّعَلُّقِ بِمَواعِيدِها، ثم أشارَ إلى بُعْدِ ما بَينَه وبينَها، وأنه لا يُبَلِّغُه إلا ناقةٌ مِن صِفتِها كَيْتَ وكَيْتَ، وأطالَ في وَصفِ تلك الناقةِ على عادَةِ العرَبِ في ذلك، ثم إنه اسْتَطْرَدَ مِن ذلك إلى ذِكْرِ الوُشاةِ، وأنهم يَسْعَوْنَ بجَانِبَيْ نَاقَتِه، ويُحَذِّرُونَه القتلَ، وأنَّ أَصدقاءَه رَفَضُوه، وقَطَعُوا حَبْلَ مَوَدَّتِه، وأنه أَظْهَرَ لهم الْجَلَدَ، واسْتَسْلَمَ للقَدَرِ، وذَكَرَ لهم أنَّ الموتَ مَصيرُ كلِّ ابنِ أُنْثى، ثم خَرَجَ إلى المقصودِ الأعظمِ، وهو مَدْحُ سَيِّدِنا رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى الاعتذارِ إليه، وطَلَبَ منه العَفْوَ والتَّبَرِّيَ مما قيلَ عنه، وذَكَرَ شِدَّةَ خَوْفِه مِن سَطْوَتِه، وما حَصَلَ له مِن مَهابَتِه ثم إلى مَدْحِ أصحابِه الْمُهاجرينَ رَضِىَ اللهُ عنهم أَجْمَعينَ.

وهذا حينَ نَبْتَدِئُ القولَ في شَرْحِ أبياتِ القَصيدةِ وباللهِ تعالى حُسْنُ التوفيقِ.

قالَ رَضِىَ اللهُ عنه:

بانَتْ سُعادُ فقَلْبِي اليومَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُفْدَ مَكبولُ

قولُه:"بَانَتْ"معنى بانَ: فارَقَ، وله مَصدرانِ: الْبَيْنُ، وسَيأْتِي في البيتِ الثاني، والبَيْنُونَةُ، ووَزْنُه عندَ البَصرِيِّينَ فَيْعَلُولَة، وأصلُه بَيْيَنُونَة بيَاءَيْنِ، الأُولَى زائدةٌ، والثانيةُ عَيْنٌ، ثم أُدْغِمَتْ الأُولى في الثانيةِ فصارَ: بَيَّنُونَةً ثم خُفِّفَ بحذْفِ الثانيةِ، كما فُعِلَ بسَيِّدٍ ومَيِّتٍ فصارَتْ"بَيْنُونَةً"على وَزْنِ فَيْلُولَةٍ والْتُزِمَ فيه التخفيفُ لطُولِهِ.

ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنه فَعْلُولَةٌ بالضمِّ كعُصفورةٍ، ثم كُسِرَتْ فاؤُه لتَسْلَمَ الياءُ ثم فُتِحَتْ لثِقَلِ كَسْرَةٍ وضَمَّةٍ ليس بينَهما حاجِزٌ حَصينٌ، ثم فَعَلُوا ذلك في دَيمومةٍ ونحوِه، حَمْلًا لذَواتِ الواوِ على ذواتِ الياءِ؛ لأنَّ ذَواتِ الواوِ في هذا البِناءِ أَقَلُّ.

والتاءُ حَرْفُ تأنيثٍ لا اسمٌ للمؤنَّثِ، كالياءِ في قُومِي، بدَليلِ أنها تُجامِعُ الضميرَ بخِلافِ الياءِ تَقولُ في قَامَتْ: قامَتَا، إذا أَرَدْتَ الاثنينِ، ولا تَقولُ في قُومِي: قُومِيَا.

قولُه:"سعادُ"هو عَلَمٌ مُرْتَجَلٌ يُريدُ به امرأةً يَهواهَا حَقيقةً أو ادِّعاءً، وكونُه حقيقيَّ التأنيثِ مُوجِبٌ للَحَاقِ التاءِ للفِعْلِ، بخِلافٍ نحوَ: طَلَعَت الشمسُ ففيه الوَجهانِ، وزِيادتُه على الثلاثةِ مُوجِبٌ لِمَنْعِ صَرْفِه، فخِلافُ نحوِ"هِنْد"ففيه الوَجهانِ، ومانِعٌ مِن لَحاقِ التاءِ إذا صُغِّرَ، بخِلافِ نحوِ هِنْدٍ وشَمْسٍ وقُدِّمَ فتَجِبُ فيهنَّ التاءُ، والجملةُ مُستأنَفَةٌ فلا مَحَلَّ لها.

(1) (ولعلها: أحدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت