قولُه:"فقلبي": اعْلَمْ أنَّ للفاءِ ثلاثَ حالاتٍ.
إحداها: أن تأتيَ لِمُجَرَّدِ السببِيَّةِ والرَّبْطِ، نحوَ: إن جِئْتَنِي فأنا أُكْرِمْكَ، إذ لو كانت عاطفةً كان ما بعدَها شَرْطًا واحْتيجَ للجوابِ ونحوَ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} لأنه لا يُعْطَفُ الإنشاءُ على الخبَرِ، ولا الْخَبَرُ على الإنشاءِ، هذا قولُ الأكثرينَ وهو الصحيحُ، واستَدَلَّ مَن أَجازَ بقولِ: (البحر الطويل)
تُنَاغِي غَزَالًا عندَ بابِ ابنِ عامِرٍ ... وكُحْلُ مآقِيكَ الْحِسانِ بِاثْمَدِ
وقولِه: ـ امرئِ القَيْسِ ـ (البحر الطويل)
وإنَّ شِفَائِيَ عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها ... وهل عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِن مُعَوَّل
ولا دليلَ في هذا؛ لأنَّ الاستفهامَ مُرادٌ به الإنكارُ، فهو مِثْلُه في: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} فهو خَبَرٌ لا إنشاءٌ، وأَمَّا الأَوَّلُ فلا نُسَلِّمُه إلا بعدَ الوُقوفِ على ما قَبْلَه مِن الأبياتِ.
والثانيةُ: أن تَأْتِيَ لِمَحْضِ العَطْفِ، نحوَ: جاءَ زيدٌ، فعَمرٌو، وقولُه تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} .
والثالثةُ: أن تأتيَ لهما: كقولِه تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} ، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبَّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} وهذا هو الغالِبُ على الفاءِ الْمُتَوَسِّطَةِ بينَ الْجُمَلِ المتعاطِفَةِ، ومنه الفاءُ في هذا البيتِ.
وعَطْفُ الاسْمِيَّةِ على الفِعلِيَّةِ جائزٌ عندَ الجمهورِ مُطْلَقًا، بدليلِ قولِهم في نحوِ: قامَ زيدٌ وعَمْرًا أَكْرَمْتُه: إنَّ نَصْبَ عمرٍو أَرْجَحُ مِن رَفْعِه، وتعليلُهم ذلك بأنَّ تَناسُبَ الْجُملتينِ الْمُتعاطفتينِ أَوْلَى مِن تَخَالُفِهما، وقيلَ: مُمْتَنِعٌ مُطْلَقًا وإنَّ ارتفاعَ الضِّرْسِ من قولِه: (البحر الرمَل) .
عاضَهَا اللهُ غُلامًا بعدَما ... شابَتِ الأَصْداغُ والضِّرْسُ نَقَدْ
على إضمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُه"نَقَدْ"وذَهَبَ الفارسيُّ إلى جَوازِه إذا كان العاطِفُ الواوَ خَاصَّةً، نَقَلَه عنه تِلميذُه أبو الفَتْحِ، في"سِرِّ الصناعةِ"وعلى هَذينِ الْمَذهبينِ، فالفاءُ لِمَحْضِ السببيَّةِ، لا للعَطْفِ، وللقَلْبِ أربعةُ مَعانٍ:
(أحدُها) : الفؤادُ، ومنه: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} وهو الْمُرادُ هنا. وإنما سُمِّيَ قَلْبًا لتَقَلُّبِه وقيلَ: القلْبُ أَخَصُّ مِن الفؤادِ، ومنه الحديثُ:"أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَلْيَنُ أَفْئِدَةً الْإِيمَانُ يَمَانٌ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ"فوَصَفَ القُلوبَ بالرِّقَّةِ، والأَفْئِدَةَ باللِّينِ.
والثاني: العقلُ، ومنه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} .
والثالثُ: خَالِصُ كُلِّ شَيءٍ ومَحْضُه، ومنه الحديثُ:"لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس".
والرابعُ: مَصْدَرُ قَلَبَه. وجَمْعُ القَلْبِ: قُلوبٌ وأَقْلُبٌ عن اللَّحْيَانِيِّ.
قولُه:"اليومَ"فيه مَسألتانِ:
إحداهما: أنه يُطْلَقُ على أربعةِ أُمورٍ: