قولُه:"مِن صَوْبِ": للصَّوْبِ أربعةُ مَعانٍ:
أحدُها: الْمَطَرُ كقولِ: (البحر الكامل) .
فَسَقَى دِيارَكَ غيرَ مُفْسِدِهَا ... صَوْبُ الربيعِ ودَيْمَةٌ تَهْمِي
وانتصابُ"غيرَ"على الحالِ للفاعِلِ الْمُؤَخَّرِ، وفيه احتراسٌ مِمَّا أُورِدَ على مَن قالَ: (البحر الطويل) .
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلَى ... ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ
إذ قيلَ: إنه أَرادَ الدُّعاءَ لها، فدَعَا عليها بالْخَرَابِ.
والجوابُ: أنه احْتَرَسَ أوَّلًا بقولِه:"اسْلَمِي"وأنَّ زالَ وأخواتِها إنما تَقْتَضِي ثُبوتَ الخبَرِ للاسمِ على جارِي العادَةِ في مِثْلِه، كقولِنا: ما زالَ زيدٌ يُصَلِّي؛ فإنَّ معناه: أنه قد تَأَتَّى منه فِعْلُ الصلاةِ , لم يَتْرُكْها في أوقاتِها، لا أنه مُذْ خُلِقَ لم يَزَلْ يُصَلِّي ليلًا ونهارًا لا يَفْتُرُ.
والثاني: أن يكونَ مَصْدَرًا لصابَ يَصوبُ بمعنى: نَزَلَ.
والثالثُ: أن يكونَ مَصْدَرًا لصابَ بمعنى قَصَدَ، كقولِ رَجُلٍ من عَبدِ القَيْسِ يَمْدَحُ النُّعمانَ بنَ الْمُنْذِرِ (البحر الطويل) :
تَعالَيْتَ أنْ تُعْزَى إلى الإنسِ جُملةً ... وللإنسِ مَن يَعْزُوكَ فهو كَذوبُ
فلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكن لِمَلَاءكٍ ... تَنَزَّلُ مِن جَوِّ السماءِ يَصُوبُ
أي: يَقْصِدُ إلى الأرضِ، هذا هو الصوابُ في تفسيرِه، وهو قولُ أبي مُحَمَّدِ بنِ السَّيِّدِ، وأمَّا قولُ الجوهريِّ، والأعلَمِ، واللخْمِيِّ، والواحديِّ، وغيرِهم أنَّ مَعناه: تَنَزَّلُ، فيَلْزَمُ منه التَّكرارُ، والأكثَرُ أن يُقالَ: أصابَ بالهمزةِ، ومنه قولُه تعالى: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصابَ} أي: تَجْرِي لَيِّنَةً سَريعةً حيث أَرادَ، قالَه ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، ونَقَلَ الزَّجَّاجُ إجماعَ أهلِ اللغةِ والتفسيرِ عليه. قالَ: ومنه قولُهم للمُجيبِ: أَصَبْتَ، أي: قَصَدْتَ الجوابَ، فلم تُخْطِئْهُ. انتهى.
ولا أَدْرِي مِن أينَ اسْتُفِيدَ مَعْنَى قولِه: لم تُخْطِئْه، وإنما الظاهِرُ أنه مِن قولِهم: أَصَبْتُ الشيءَ، إذا وَجَدْتَه، وأنَّ الأَصْلَ: أَصَبْتُ الجوابَ.
وعلى التفسيرينِ فهذا الفِعْلُ قد هَجَرَ مَفعولَه، كما في قولِهم: بَنَى على امرأتِه، أي: قُبَّةً، وأَفَاضُوا مِن عَرَفَاتٍ أي: رَوَاحِلَهم؛ لأنه مُستعارٌ مِن إِفاضةِ الماءِ، وهو صَبُّهُ بكَثرَةٍ، ونَظيرُه في المعنى قولُه:
وسَالَتْ بأَعناقِ الْمَطِيِّ الأباطِحُ
ويُحْكَى أنَّ رَجلينِ قَصَدَا رُؤبةَ بنَ العَجَّاجِ يَسألانِه عن معنى:"أَصابَ"في الآيةِ، فصَادَفَاهُ في الطريقِ، فقالَ لهما: أينَ تُصيبانِ، فرَجَعَا، ولم يَسْأَلَاهُ.
والرابعُ: أن يكونَ بمعنى الصوابِ , كقولِ أَوْسِ بنِ غَلفاءَ (البحر الوافر) :