مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
وبه ثِقَتِي .. أَمَّا بعدَ حَمْدِ اللهِ الْمُنْعِمِ بإلهامِ الْحَمْدِ لعَبيدِه، حَمْدًا مُوافِيًا لِنِعَمِه، ومُكَافِئًا لِمَزِيدِه، والصلاةُ والسلامُ على الْمَبعوثِ رَحمةً للعالمينَ، وقُدوةً للعَامِلِينَ، مُحَمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ، والرسولِ العربيِّ، حَبيبِ الرحمنِ وخَليلِه، ورسولِه الْمُؤْتَمَنِ على تَبليغِ رِسالاتِه وأَداءِ تَنزيلِه، الداعي بالْحِكمةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ إلى سَبيلِه، وعلى آلِه وأَصحابِه مَصابِيحِ الظُّلَمِ، ويَنابِيعِ الْحِكَمِ، وشَآبِيبِ الكَرَمِ، فإني مُورِدٌ في هذا الكتابِ قَصيدةَ كَعبِ بنِ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه التي مَدَحَ بها سَيِّدَنَا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وأَنْشَدَها بِحَضْرَتِه الشريفةِ، وبِحَضْرَةِ أصحابِه الْمُهاجِرِينَ والأنصارِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم أَجْمَعِينَ ومُرْدِفٌ كلَّ بيتٍ منها بشَرْحِ ما يُشْكِلُ مِن لُغتِه وإعرابِه ومَعناه، ومُعْطٍ للقولِ في ذلك كُلِّه حَقَّه إن شاءَ اللهُ تعالى.
والذي دَعانِي إلى هذا التأليفِ غَرضانِ سَنِيَّانِ:
أحدُهما: التَّعَرُّضُ لبَرَكاتِ مَن قِيلَتْ فيه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
والثاني: إسعافُ طالِبِي عِلْمِ العربيَّةِ بفَوائدَ جَليلةٍ أُورِدُها، وقواعدَ عَديدةٍ أَسْرُدُها، وباللهِ تعالى الْمُستعانُ، وعليه التُّكْلَانُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ.
ولْنُقَدِّمْ بينَ يَدَيْ ذلك الكلامَ في فَصْلَيْنِ:
أحدُهما: ذِكْرُ شيءٍ مِن أخبارِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، وسَببِ قولِه هذه القصيدةَ، فنقولُ:
هو كَعبُ بنُ زُهيرِ بنِ أبي سُلْمَى -بضَمِّ السينِ- واسمُ أبي سُلْمَى: ربيعةُ بنُ رِياحٍ- بكَسْرِ الراءِ- بعدَها ياءٌ آخِرَ الحروفِ، أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ، كان مِن فُحولِ الشُّعراءِ هو وأبوه، وكان عمرُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه لا يُقَدِّمُ على أبيه أَحَدًا، ويقولُ: أشعَرُ الناسِ الذي يَقولُ: ومَن ومَن ومَن، يُشيرُ في مُعَلَّقَتِه الْمَشهورةِ: (البحْر الطويل)
ومَن هابَ أسبابَ الْمَنايا يَنَلْنَهُ ... ولو رامَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ
ومَن يَكُ ذا مالٍ فيَبْخَلْ بِمَالِهِ ... على قومِه يُسْتَغْنَ عنه ويُذْمَمِ
ومَن لا يَزَلْ يَسْتَحْمِلُ الناسَ نَفْسَه ... ولا يُغْنِها يومًا مِن الدهْرِ يَنْدَمِ
ومَن يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ ... ومَن لا يُكْرِمْ نفسَه لا يُكْرَمِ
ومَن لا يَذُدْ عن حَوْضِه بسِلاحِهِ ... يُهَدَّمْ ومَن لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ
ومَن لا يُصَانِعْ في أُمورٍ كَثيرةٍ ... يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويُوْطَأْ بِمَنْسِم
الْمَنْسِمُ: بفَتْحِ الميمِ وكسْرِ السينِ: طَرَفُ خُفِّ البَعيرِ.
ومِمَّا يُسْتَحْسَنُ مِن شِعْرِ كعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قولُه.
(البحْر البسيط) :