الصفحة 5 من 118

لو كنتُ أَعْجَبُ من شيءٍ لأَعْجَبُ مِن ... سَعْيِ الْفَتَى وهو مَخبوءٌ له الْقَدَرُ

يَسْعَى الْفَتَى لأمورٍ ليس يُدْرِكُها ... والنفسُ واحدةٌ والْهَمُّ مُنْتَشِرُ

والمرءُ ما عاشَ مَمْدُودٌ له أَمَلٌ ... لا تَنتَهِي العينُ حتى يَنْتَهِي الأَثَرُ

وقولُه: (البحر السريع)

إن كنتَ لا تَرْهَبُ ذَمِّي لِمَا ... تَعْرِفُ مِن صَفْحِي عن الْجَاهِلِ

فاخْشَ سُكُوتِي إذ أنا مُنْصِتُ ... فيك لَمَسموعٌ خَنَا القائلِ

فالسامِعُ الذمَّ شَريكٌ لهُ ... ومُطْعِمُ المأكولِ كالآكِلِ

مَقَالَةُ السَّوءِ إلى أَهْلِها ... أَسْرَعُ مِن مُنْحَدَرٍ سائلِ

ومَن دعا الناسَ إلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوهُ بالْحَقِّ وبالباطِل

ووَلَدَ كعبٌ عُقبةَ بنَ كَعْبٍ، وكان أيضًا شاعرًا مُجِيدًا، ووَلَدَ عُقبةُ بنُ كَعْبٍ العَوَّامَ بنَ عُقبةَ بنِ كَعبٍ، وكان أيضًا شاعرًا مُجِيدًا، وهو الذي يقولُ: (البحر الطويل)

ألا ليتَ شِعْرِي هل تَغَيَّرَ بَعْدَنا ... مُلَّاحَةُ يُمْنَى أمِّ عَمْرٍو وجِيدُها

وهل بَلِيَتْ أَخْلَاقُها بعدَ جِدَّةٍ ... ألا حَبَّذَا أخلاقُها وجَدِيدُهَا

وكان مِن خَبَرِ قولِ كَعْبٍ هذه القَصيدةَ فيما روى مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ، وعبدُ الْمَلِكِ بنُ هِشامٍ وأبو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ القاسِمِ بنِ بَشَّارٍ الأنباريُّ، وأبو الْبَرَكَاتِ عبدُ الرحمنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أبي سعيدٍ الأنباريُّ، دَخَلَ حَديثُ بعضِهم في حَديثِ بعضٍ أنَّ كَعْبًا وبُجَيْرًا ابْنَيْ زُهَيْرٍ خَرَجَا إلى أَبْرَقِ العَزَّافِ، فقالَ بُجَيْرٌ لكَعْبٍ: اثْبُتْ في الغَنَمِ حَتَّى آتِيَ هذا الرَّجُلَ ـ يعني النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ـ فأَسْمَعَ كَلامَه، وأَعْرِفَ ما عِنْدَه، فأقامَ كَعْبٌ، ومَضَى بُجَيْرٌ، فأتى رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسَمِعَ كَلامَه، فآمَنَ به، وذلك أنَّ زُهَيْرًا فيما زَعَمُوا كان يُجالِسُ أهلَ الكتابِ، فيَسمَعُ منهم أنه قد آنَ مَبْعَثُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورأى زُهَيْرٌ في مَنامِه أنه مُدَّ سببٌ مِن السماءِ، وأنه مَدَّ يَدَهُ ليَتَنَاوَلَه، ففَاتَه، فأَوَّلَه بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يُبْعَثُ في آخِرِ الزمانِ، وأنه لا يُدْرِكُه، وأَخْبَرَ بَنِيهِ بذلك، وأَوْصَاهُمْ إنْ أَدْرَكُوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُسْلِموا، ولَمَّا اتَّصَلَ خبرُ إسلامِ بُجَيْرٍ بأخيه كَعْبٍ، أَغْضَبَه ذلك، فقالَ: (البحر الطويل) .

ألا أَبْلِغَا عني بُجَيْرًا رَسَالَةً ... فهل لك فيما قُلتَ وَيْحَكَ هل لَكَا

سَقاكَ بها المأمونُ كأسًا رَوِيَّةً ... فأَنْهَلَكَ المأمونُ منها وَعَلَّكَا

ففارَقْتَ أسبابَ الْهُدَى واتَّبَعْتَهُ ... على أيِّ شيءٍ وَيْبَ غيرِك دَلَّكَا

على خُلُقٍ لم تُلْفِ أُمًّا ولا أَبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت