الصفحة 6 من 118

عليه ولم تَعْرِفْ عليه أَخًا لَكَا

فإنْ أَنْتَ لم تَفْعَلْ فلَسْتُ بآسِفٍ ... ولا قائلٍ إمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا

وأَرْسَلَ بها إلى بُجَيْرٍ، فلَمَّا وَقَفَ عليها، أَخْبَرَ بها النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلَمَّا سَمِعَ عليه الصلاةُ والسلامُ قولَه:"سَقاكَ بها المأمونُ"، قالَ:"مأمونٌ واللهِ"وذلك أنهم كانوا يُسَمُّونَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المأمونَ، ولَمَّا سَمِعَ قولَه:"عَلَى خُلُقٍ ـ ويُرْوَى: على مَذْهَبٍ ـ لم تُلْفِ أُمًّا ولا أَبًا البيتَ، قال:"أَجَلْ لم يُلْفِ عليه أَباهُ ولا أُمَّهُ"."

ثم إنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:"مَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ"وذلك عندَ انصرافِه عليه الصلاةُ والسلامُ عن الطائفِ، فكَتَبَ إليه أَخُوهُ بُجَيْرٌ هذه الأبياتَ: (البحر الطويل) .

مَن مُبْلِغٌ كَعْبًا فهل لك في التي ... تَلومُ عليها باطلًا وهي أَحْزَمُ

إلى اللهِ لا الْعُزَّى ولا اللاتِ وَحْدَهُ ... فتَنْجُو إذا كان النَّجَاءُ وتَسْلَمُ

لَدَى يومِ لا يَنْجُو وليس بِمُفْلِتٍ ... من الناسِ إلا طاهرُ القلبِ مُسْلِمُ

فدِينُ زُهَيْرٍ وهو لا شيءَ دِينُهُ ... ودِينُ أبي سُلْمَى علَيَّ مُحَرَّمُ

وكَتَبَ بعدَ هذه الأبياتِ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أَهْدَرَ دَمَك، وأنه قَتَلَ رجالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كان يَهْجُوهُ، ويُؤْذِيهِ، وأنَّ مَن بَقِيَ مِن شُعراءَ كابنِ الزَّبَعْرَى، وهُبَيْرَةَ بنِ أبي وَهْبٍ قد هَرَبُوا في كلِّ وَجْهٍ، وما أَحْسَبُك ناجيًا، فإنْ كان لك في نفسِك حاجةٌ، فَطِرْ إليه، فإنه يَقْبَلُ مَن أَتاهُ تَائبًا، ولا يُطَالِبُه بما تَقَدَّمَ الإسلامَ.

فلَمَّا بَلَغَ كَعْبًا الكتابُ، ضاقَتْ عليه الأرضُ، وأَتَى إلى مُزَيْنَةَ لتُجِيرَهُ من النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَتْ ذلك عليه، فحينئذٍ ضَاقَتْ عليه الأرضُ، وأَشْفَقَ على نفسِه، وأَرْجَفَ به مَن كان مِن عَدُوِّه، فقالَ: هو مقتولٌ، فقالَ هذه القَصيدةَ يَمْدَحُ بها النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويَذْكُرُ خَوْفَه، وإرجافَ الوُشاةِ به مِن عَدُوُّهِ.

ثم خَرَجَ حتى قَدِمَ المدينةَ، فنَزَلَ على رَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ كانت بينَه وبينَه مَعْرِفَةٌ، فأتى به إلى الْمَسْجِدِ، ثم أشارَ إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قالَ: هذا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُمْ إليه، فاسْتَأْمِنْهُ، وعَرَفَ كعبٌ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصفَةِ التي وَصَفَهُ له الناسُ، وكان مَجْلِسُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن أصحابِه مِثلَ مَوْضِعِ الْمَائدةِ مِن القومِ، يَتَحَلَّقُون حولَه حَلْقَةً ثم حَلْقَةً، فيُقْبِلُ على هؤلاءِ فيُحَدِّثُهم، ثم يُقْبِلُ على هؤلاءِ فيُحَدِّثُهُم، فقامَ إليه حتى جَلَسَ بينَ يَدَيْهِ، فوَضَعَ يَدَهُ في يَدِه، ثم قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ كَعْبَ بنَ زُهيرٍ قد جَاءَكَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تائبًا مُسْلِمًا، فهل أنتَ قابِلٌ منه إن أنا جِئْتُكَ به؟ قالَ: نعمْ. قالَ: أنا يا رسولَ اللهِ كعبُ بنُ زُهَيْرٍ. فقالَ: الذي يقولُ ما يَقولُ، ثم أَقْبَلَ على أبي بَكْرٍ، فاسْتَنْشَدَه الشعرَ، فأَنْشَدَه أبو بكرٍ: سَقاكَ بها الْمَأمونُ كأسًا رَوِيَّةً فقالَ كَعْبٌ: لم أَقُلْ هكذا، وإنما قُلْتُ:

سقاكَ أبو بكرٍ بكَأْسٍ رَوِيَّةٍ

وأَنْهَلَكَ المأمونُ

فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَأْمُونٌ وَاللهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت