الصفحة 7 من 118

ووَثَبَ عليه رَجُلٌ مِن الأنصارِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، دَعْنِي وعَدُوَّ اللهِ أَضْرِبْ عُنَقَهُ، فقالَ:"دَعْهُ عَنْكَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا"فغَضِبَ كَعْبٌ على هذا الحيِّ من الأنصارِ لِمَا صَنَعَ به صاحبُهم، قالَ ابنُ إسحاقَ: فلذلك يقولُ:"إِذَا غَرَّدُ السُّودُ التَّنَابِيلُ"يُعَرِّضُ بِهِمْ.

وفي روايةِ أبي بكرِ بنِ الأنباريِّ: أنه لَمَّا وَصَلَ إلى قولِه:

إنَّ الرسولَ لسَيْفٌ يُستضاءُ بهِ ... مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسلولُ

رَمَى عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَةً كانت عليه، وأنَّ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه بَذَلَ له فيها عَشرةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فقالَ: ما كنتُ لِأُوثِرَ بثَوْبِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدًا، فلَمَّا ماتَ كَعْبٌ، بَعَثَ مُعاوِيَةُ إلى وَرَثَتِه بعشرينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فأَخَذَها منهم. قالَ: وهي الْبُردَةُ التي عندَ السلاطينِ إلى اليومِ.

قالَ عبدُ الْمَلِكِ بنُ هِشامٍ: ويُقالُ: إنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ له بعدَ ذلك:"أَوَلَا ذَكَرْتَ الْأَنْصَارَ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ أهلٌ لذلك"فقالَ: (البحر الكامل)

مَن سَرَّهُ شَرَفُ الحياةِ فلا يَزَلْ ... في مِقْنَبٍ مِن صالِحِي الأنصارِ

وَرِثُوا الْمَكارِمَ كابرًا عن كَابِرٍ ... إنَّ الْخِيارَ هُمُو بنو الأخيارِ

الْمُكْرِمِينَ السَّمْهَرِيَّ بأَدْرُعٍ ... كسوالِفِ الْهِنْدِيِّ غيرِ قِصَارِ

والناظِرِينَ بأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ ... كالجَمْرِ غيرِ كَليلةِ الإبصارِ

والبائعينَ نفوسَهم لنَبِيِّهِمْ ... للموتِ يومَ تَعَانُقٍ وكِرارِ

يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَه نُسُكًا لَهُمْ ... بدِماءِ مَن عَلِقُوا مِن الْكُفَّارِ

وإذا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إليهمُ ... أصْبَحْتَ عندَ مَعاقِلِ الأَعْفَارِ

لو تَعْلَمُ الأقوامُ عِلْمِي كُلَّهُ ... فيهم لصَدَّقَنِي الذين أُمَارِي

في أبياتٍ أُخْرَى اخْتَصَرْتُها.

شرْحُ الشعْرِ الواقعِ في هذا الْخَبَرِ:

قولُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه:"أَلَا أَبْلِغَا": يَحْتَمِلُ أن يكونَ بالنونِ لَفْظًا على أنها نونُ التوكيدِ الخفيفةُ، وبالألِفِ خَطًّا لأَجْلِ الوَقْفِ، ويَحْتَمِلُ أنه بالألِفِ لَفْظًا وخَطًّا، إمَّا على أنه خِطابٌ للاثنينِ، أو للواحدِ، وكثيرًا ما يُخاطَبُ الواحدُ بما يُخاطَبُ به الاثنانِ.

وقولُه:"فهلْ لكَ"يَحْتَمِلُ كونَ الفاءِ زائدةً عندَ مَن جَوَّزَ زِيادتَها، فتَكونُ الْجُملةُ بعدَها مُفَسِّرَةً للرسالةِ، فلا مَوْضِعَ لها على قولِ الجمهورِ: إنَّ الْمُفَسِّرَةَ لا مَوْضِعَ لها، أو مَوْضِعُها نَصْبٌ على قولِ الشَّلَوْبِينِ: إنَّ الجملةَ الْمُفَسِّرَةَ بِحَسْبِ الْمُفَسَّرِ، ويَحْتَمِلُ كونُها عاطِفةً"أَبْلِغَا"والمعطوفُ مَحذوفٌ، أي: فقُولاَ له: هل لك، وكثيرًا ما يُحْذَفُ القولُ، ويَبْقَى الْمَقولُ، حتى قالَ الفارسيُّ: حَذْفُ القولِ من حديثِ البحرِ قُلْ ولا حَرَجَ والأصلُ: هل لك رأيٌ أو إرادةٌ، أي: هل قُلْتَ ذلك عن قَصْدٍ واعتقادٍ، أو قُلتَه لأَمْرٍ ما؟ والمرفوعُ المحذوفُ خَبَرُه في الظرْفِ، لا فاعلٌ بالظرْفِ لاعتمادِه كما في نحوِ: {أَفِي اللهِ شَكٌّ} ؛ لأنَّ الفاعلَ لا يُحْذَفُ، ويأتي هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت