البَحْثُ في قولِه تعالى: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} أي: هل لك مَيْلٌ أو انقيادٌ، وتَعَلُّقُ الجارِّ وهو"في"،"وإلى"في البيتِ والآيةِ بذلك المحذوفِ.
وقولُه:"وَيْحَكَ"وَيْحَ: كلمةٌ تُقالُ لِمَن وَقَعَ في هَلَكَةٍ لا يَسْتَحِقُّها، فيُتَرَحَّمُ عليه، ويُرْثَى له لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ:"وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ"وويلٌ: كلمةٌ تُقالُ لِمَن يَستَحِقُّ الْهَلَكَةَ كقولِه تعالى: {وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} وعن عليٍّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه:"الْوَيْحُ بابُ رحمةٍ والويلُ بابُ عذابٍ"وهل لك الثانيةُ تَوكيدٌ وتَكميلٌ وتَحصيلٌ للقافِيَةِ.
وقولُه:"سَقَاكَ بها"يَحْتَمِلُ ضَميرُه المجرورُ خَمسةَ أَوجُهٍ:
أَحَدُها: أن يَعودَ إلى الْمَقالَةِ المفهومةِ مِن"قلتُ"كما عادَ الضميرُ من"قد سَأَلَها"المؤنَّثُ إلى المسألةِ المفهومةِ من قولِه تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} ومِن"سئلت"في قولِ الشاعرِ: (البحر الكامل) .
وإذا سُئِلْتَ الخيرَ فاعْلَمْ أنها ... حُسْنَى تُخَصُّ بها مِن الرحمن
ولو كان الضميرُ في الآيةِ عائدًا على"أشياءَ"لعُدِّيَ إليه بـ"عن"لا بنَفْسِه، ولكنه مفعولٌ مُطْلَقٌ لا مفعولٌ به.
الثاني: أن يعودَ على الْمَقالَةِ الْمَفهومةِ مِن"قلتُ"على أنْ تُقَدَّرَ ما مَصدرِيَّةً. الثالثُ: أن يعودَ على نفسِ"ما"على أن يكونَ مَوصولًا اسْمِيًّا حُذِفَ عائدُه، أي: في التي قُلْتُها.
والرابعُ: أن يعودَ على الكلمةِ التي قالَها التي دَلَّ عليها قَرينةُ الحالِ، أَعْنِي: كَلمةَ الشَّهادةِ.
وعلى هذه الأَوْجُهِ فتَحْتَمِلُ الباءُ وَجهينِ:
أحدُهما: الزيادةُ، أي: سَقَاكَهَا، فيكونُ قولُه:"كأسًا"إمَّا حالًا مُوَطِّئَةً، كما تقولُ: لَقِيتُ زيدًا رَجُلًا صالِحًا، وإمَّا بَدَلًا من الضميرِ على الْمَوْضِعِ، كما تقولُ: ما رأيتُ من أَحَدٍ مُنْصِفًا.
الثاني: أن يكونَ بمعنى"مِن"التبعيضيَّةِ، وهو قولُ الكُوفِيِّينَ والأَصْمَعِيِّ والفارسيِّ، وبه قالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه في قولِه تعالى: {فَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} ويُرَجِّحُه قولُه:"فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا"، وعلى هذا فكأسًا مفعولٌ به.
والوجهُ الخامسُ: أن يعودَ إلى الكأسِ، فيَحْتَمِلُ إعرابُه وَجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ بَدَلًا من الضميرِ على الْمَوْضِعِ، كما تقولُ: مَرَرْتُ به زيدًا، وعودُ الضميرِ على الظاهِرِ الْمُبْدَلِ منه جائزٌ بإجماعٍ، هكذا نَقَلَ ابنُ مالِكٍ عن ابنِ كَيْسَانَ، ومِن شَواهدِه قولُه: اللهمَّ صَلِّ عليه الرؤوفِ الرحيمِ.
والثاني: أن يكونَ تَمييزًا، وعَوْدُ الضميرِ على تَمييزِه مُتَّفَقٌ عليه في بابَيْ"رُبَّ"و"نِعْمَ"كقولِه تعالى:" {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} وقولِ الشاعرِ:"
"وَرُبَّه عَطَبًا أَنْقَذَتْ مَن عَطَبَهْ"
ولم يَخُصَّهُ الزمخشريُّ بذلك، بل قالَ به في قولِه تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} .
وقولُه:"المأمونُ"المرادُ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت قريشٌ تُسَمِّيهِ المأمونَ والأمينَ فهو كما قيلَ: (البحر الكامل) .