فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 168

والناس في هذا الباب ـ أعني زيارة القبور ـ على ثلاثة أقسام:

قومٌ يزورون الموتى فيدعون لهم؛ وهذه الزيارة الشرعية.

وقومٌ يزورونهم يدعون بهم؛ فهؤلاء هم المشركون في الأُلوهية والمحبّة.

وقومٌ يزورونهم فيدعونهم أنفسهم؛ وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وعلى

وسلم ـ: (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد ) )؛ وهؤلاء هم المشركون في الربوبية.

وقد حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية تحقيقًا لقوله ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} ، حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين لكونه ذريعة إلى التشبيه [التشبُّه] بعُبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين؛ وسدّ الذريعة بأنْ منع من الصلاة بعد العصر والصبح لاتّصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجُد المشركون فيهما للشمس.

وأما السجود لغير الله ـ تعالى ـ فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله ) )؛ ولا ينبغي في كلام الله ورسوله إنما يُستعمل للذي هو في غاية الامتناع كقوله ـ تعالى ـ: {وما ينبغي للرحمن أن يتّخذ ولدًا} ، وقوله ـ تعالى ـ: {وما علّمناه الشعر وما ينبغي له} ، وقوله ـ تعالى ـ: {وما تنزّلتْ به الشياطين وما ينبغي لهم} ، وقوله ـ تعالى ـ: {ما كان ينبغي لنا أن نتّخذ من دونك أولياء} [1] .

(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ:

(( والناس في الباب ـ أعني: زيارة القبور ـ على ثلاثة أقسام ) ). هذا تقسيم مفيدٌ جدًّا اضطّرب كثيرٌ من الناس في هذا الباب لعدم معرفتهم هذا التقسيم؛ تقسيمٌ لا تحتاج بعده إلى بحث في باب الزيارة، إذا أردتّ أن تعرف الزيارة الشرعية والزيارة الشركية والزيارة البِدعية:

(( قومٌ يزورون الموتى فيدعون لهم ) )يدعون للموتى. (( وهذه الزيارة الشرعية ) )التي شرعها الله ـ سبحانه وتعالى ـ على لسان رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث

قال: (( كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكِّر الآخرة ) ).

ذكر الإمام المقريزي من الهدفين الذين من أجلهما تُزار القبور هدفًا واحد وهو الدعاء للموتى؛ الهدف الثاني ـ أو المقصد الثاني، أو الغرض الثاني ـ: تذكُّر الموت؛ زيارة القبور في الإسلام لهذين الأمرين: تقف على قبر وقفة تتذكّر فيها الموت، تتذكّر أنّ هذا الميِّت كان حيًّا كما أنت حيٌّ الآن، وكان، وكان، إلى آخره، وخصوصًا إذا وقف الإنسان أمام قبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وتذكّر حياته ـ عليه الصلاة والسلام ـ المباركة، وهذا يجعله يزهد في الدنيا ويعمل لآخرته؛ هذا الغرض الأول.

الغرض الثاني: الدعاء للموتى، لأن الموتى هم المحتاجون للدعاء، لأن أعمالهم ـ أو أكثرها ـ انقطعتْ لا تمشي إلا الأعمال الثلاثة التي تعرفونها.

(( وقومٌ يزوروهم ) )يزورون الموتى (( يدعون بهم ) ) (الباء) للسببية أو للوساطة، السببية والوَساطة بمعنى واحد: يدعون بالموتى بسبب الموتى بوساطة الموتى، أو مستعينين بالموتى، يوسِّطون الموتى بينهم وبين الله (( فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة ) )هذا التعبير من الشيخ المقريزي تعبير جرئ وهو صواب، لكنّ كثيرًا من الناس ـ حتى المنتسبين إلى

العلم ـ يرون أن هذا ليس بشرك؛ فلنقرأ رقم (2) في الهامش: معنى يدعون بهم: (( يتوسّلون بهم في الدعاء كقولهم:(اللهم بحق هذا البطل) أو (بكرامة هذا الولي) أو

(بكرامة هذا الشيخ) افعل لي كذا وكذا.

درس هذه الليلة أنا فقط أنقل إليكم من عالِمَيْن مصريَّين: عالمٌ يعيش في القرن التاسع، وعالمٌ معاصِر يعيش الآن؛ وهم ـ كما قيل ـ (أهل مكة أدرى بشِعابها) ؛ سوف يتحدّثون عن واقع البلد الذي عاشوا فيه، لأنه عندما يتحدّث مثلنا عن تلك الأقطار ربما نُتّهم بنوعٍ من المبالَغة والنَّيْل منهم؛ فهاهم يتحدّثون عن الواقع: الدعوة بهم فسّر صاحب التعليق بالتوسُّل بهم في الدعاء وبهذه العبارة: (اللهم بحق هذا البطل) البطل الميِّت يعني.

يقول المقريزي: (( فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبّة ) ). كيف كان الدعاء بهم شركًا؟، الدعاء بالموتى، ما معنى هذا؟، يقول المعلِّق في رقم (3) : (( لأنهم يتّخذون وسيطًا لله، ويحبُّون غيره ـ تعالى ـ، ويعتقدون أنّ لغير الله دخْلًا في فعل الله ) )، وأنّ لغير الله دخْلًا وتأثيرًا في فعل الله؛ كأنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ يتأثّر بهم ويؤثِّرون في الله ـ تعالى ـ ويجعلونه يفعل ما لا يُريد أن يفعل؛ إذا قدّموا الدسُّوقي والبدوي والحُسين والشيخ عبد القادر الجيلاني والنور حسين العروسي ـ أشخاص لا تعرفوهم بعضهم ـ إذا وسّطوا هؤلاء في زعمهم هؤلاء لِمَا لهم من الكرامة والمكانة والجاه عند الله الله لا يردُّهم، يؤثِّرون فيه فيفعل بواسطتهم، اتّخذوا هؤلاء وُسطاء؛ هذا الذي هو جارٍ الآن عند كثير من الناس: لا يكاد العاميّ يدعوا إلا ويقول: (بحق فلان، وبجاه فلان، وحُرمة فلان، وكرامة فلان) .

ويرى المقريزي والمعلِّق معه إن هذا نوعٌ من الشرك في الألوهية والمحبّة؛ لأن هذا الذين يدعون به عظّموه، بالغوا في تعظيمه، واعتقدوا فيه أنّ له تأثيرًا في الله ـ تعالى ـ ليفعل، حتى إنه ـ سبحانه وتعالى ـ لو لم يوسِّطوا هذا الوسيط لا يفعل؛ هذا شركٌ في الألوهية والمحبّة؛ هذه وهّابية القرن التاسع، كأن الوهّابية تؤثِّر في السابقين واللاحقين، ويسمُّون شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كثيرٌ من السفهاء ـ: وهّابي، الذي كان يظهر في القرن السابع؛ هذا الوهّابية تظهر لكم معناه: أنّ كل من يدعوا إلى السنة ويعارِض البدعة والشرك فهو وهّابي ولو كان يعيش في القرون الأولى؛ هذا الكلام عظيمٌ جدًّا من هذين الشيخ المصريَّيْن.

ثم يقول الإمام المقريزي: (( وقومٌ يزورونهم فيدعونهم أنفسهم ) ). يدعون الموتى، إنما يذهبون إلى القبور لا ليسلّموا على الموتى ويدعوا لهم ويتذكّروا الموت، ولكن ليدعوهم؛ لذلك كثيرًا ما يقصدون عند الشدّة في مثل هذا الأيام الحَرِجة لعلهم الآن يقصدون الموتى.

والموتى المقصودون للدعاء ليسوا جميع الموتى؛ لذلك أصحاب ـ أو أتباع مشايخ الطُّرُق ـ لا يحرصون على زيارة المقابِر العادية التي زيارتها تكفي لأن تكون زيارة شرعية، إذا وقف على قبر إنسان عادي يعرفه دعا له وتذكّر الموت كفى، حصلت الزيارة الشرعية، لكنهم في الغالب يتركون هؤلاء فيسافرون حتى إذا احتاجوا إلى السفر مسافة قصْر ليزوروا قبرًا معيِّنًا ـ قبر ميِّت معيّن ـ، وهذا السفر له هدف، لو كانت الزيارة زيارة شرعية لا يحتاجون إلى السفر لهذا الشخص سواءٌ كان شخصًا حقيقيًّا مدفونا أو بالزعم، ولكن يريدون أن يدعوه ويشكوا إليه شكوى ـ ستأتي عبارات من أحد الشيخين، العبارات التي يستعملونها عندما يدعونهم ـ.

يقول المعلِّق في رقم (4) : (( كمن يقول من جهلة المسلمين في هذا الزمان:(يا سيدي يا إبراهيم، يا دسُّوقي أنا محسوب عليك، اشف لي مريضي أو اقض لي حاجتي ) )هذا الشيخ طه الزيني من علماء الأزهر الشريف يمثِّل بهذا المثال، (( أو: يا سيِّد يا بدوي كيف تسكُت على من ظلمني، إنك تعلم ظلمه لي ) )البدوي يعلم أن زيدًا ظلم عَمرًا أيما كان عمرو ولو كان في أقصى الشرق، ولكن لما يسكُت؟، يعاتبه لماذا يسكُت هذا السكوت، (( فاقصف عمره، أو فأثبته في مكان ) )وهو ينقل عبارات القوم، الشيخ ينقل العبارات التي المتِّبعة التي تُستعمل، (( لا يتحرّك؛ وهذا أخبث الشرك وأدلّه على الجهل الفاضح والبُعد عن حظيرة الإسلام ) ).

وكيف توفِّق بين قول الشيخ طه في أول التعليق: (( كمن يقول من جهلة المسلمين في هذا الزمان ... ) )وبين قوله: (( وهذا أخبث الشرك وأدلّه على الجهل الفاضح والبُعد عن حظيرة الإسلام ) )؛ لا بد من التوفيق بين القولين ـ بين أول الكلام وآخر الكلام ـ: هم في الجملة معدودون من المسلمين، والعمل هذا يتنافى والإسلام ينافى والإيمان، هذا عملُ المشركين، لكن هل نُطلِق عليهم أنهم مشركون وخارجون من الإسلام ومن حظيرة الإسلام ـ لا حظ لهم في الإسلام ـ؟، هذه المسألة التي لا تزال منذ كذا سنة نناقش مع الطلاّب: هل من يفعل مثل هذا الفعل وهو جاهل، لم يعلم أن هذا مخالفٌ لِمَا جاء رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بل يعتقد أنّ هذا من صميم ما جاء به رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ معتقدًا هذا الاعتقاد فعل ما فعل، ولم يجد من يبيِّن له البيان الشافي حقيقة ما جاء به النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، بل لم يجد من يفسِّر له حقيقة (لا إله إلا الله) بالمفهوم الصحيح، ولو سأل أكبر شيخ في منطقته قال له: (معنى

(لا إله إلا الله) : لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله)؛ لا يفرِّق الشيخ نفسه بين توحيد العبادة وتوحيد الربوبية وهم العمدة للناس مرجع الناس.

إذًا: ظاهر عملهم شركٌ وكفرٌ بواح، ولكنّ القوم ينبغي التوقُّف في أمرهم بعدم إخراجهم من الإسلام لوُجود هذا الجهل المخيِّم عليهم، ولوُجود الشبهات الخطيرة من تلكُمُ الشبهات: وجود من ينتسبون إلى العلم، ويزيِّنون للناس هذا العمل، ويفسِّرون لهم بأن هذا ليس من الشرك في شيء وإنما هو من محبة الصالحين والتوسُّل إليهم.

فلنعرف الحكم: من فعل هذا فهو كافر؛ لكن ـ كما يقول شيخ الإسلام ـ: قد يفعل اثنان كفرًا أحدهما يكفُر والآخر لا يكفُر، كفرًا واحد، نوعٌ من الكفر قوليًّا أوفعليًّا اثنان أحدهما يكفُر والآخر لا يكفُر: الذي لا شُبهة له وليس لديه جهلُ يعذر به هذا فهو كافر، ومن لديه شبهة أو قائمٌ به جهل يُعذر به لا يكفُر؛ هذه القاعدة لا ينبغي أن ننساها.

بهذا يوفَّق بين كلام الشيخ أنهم منتسبون إلى الإسلام وهذا العمل بحدِّ ذاته كفر وشرك بعيدٌ عن حظيرة الإسلام، ولكن: لا بد من هذا التفصيل.

ثم قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد ) ))) . أي: إنّ القبر إذا عُبد ودُعي صاحبه ـ دُعي دعوة ـ وقُدِّمتْ له الشكوى وطيف به هذا القبر يُصبح وثنًا.

يقول العلاّمة ابن القيّم عند هذا الحديث: قد أجاب الله دعوة نبينه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم يجعل قبره وثنًا يُعبد؛ قبل إدخاله في المسجد كان القبر في بيت عائشة، والناس يتحفّظون ولا يجرؤون على دخول بيت أمّ المؤمنين، وربما دخلوا البيت وألقوا السلام عليها وسلّموا على النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وانصرفوا ـ على تحفُّظ

شديد ـ؛ وبعد أنْ أُدخل وكان الصحابة والتابعون قبل الوليد كانوا يتحفّظون من إدخال القبر في المسجد ولم يُدخلوه، يوسِّعون من الجهات الأخرى ويتحفّظون من التوسعة من الجهة الشرقية لأن لا يدخل القبر، ولكن قدَر الله ما شاء فعل إنّ الوليد اجتهد فشرى حُجرات أمهات المؤمنين فأدخلها في المسجد، وبذلك دخل قبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في المسجد.

يقول العلاّمة ابن القيم: قيّد الله من يبني هذا الجدران من الحديد، الجدران المثلّثة

ـ أو الثلاثة ـ حتى لا يصل يد أحدٍ إلى قبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا يتمكّن أحدٌ من أن يلمس القبر ـ فضلًا من أنْ يطوف به ـ؛ أما ما يحصل من بعض العوام في الحج ـ في موسم الحج ـ من الطواف الطويل الذي يبدأ من باب جبريل ويمرون من عند الروضة ومن عند باب السلام يعودوا، فإذا تعبوا جاءوا إلى المدرِّس يقول: والله أنا طُفْت شوطين أو ثلاثة فتعبت ما هو الحكم؛ هل تتصوّرون يصدُر مثل هذا السؤال يصدُر من الحجّاج؟، يقول: ما استطعت أن أكمِّل لأن المسافة طويلة، لا يسمّى أنه طاف بقبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فقبر النبي بعيدٌ عنه، وإنما طاف ـ أو مشى ـ في هذه المسافة، لا يسمّى هذا طوافًا شرعيًّا.

الشاهد: لم يُتّخذ قبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وثنًا يُعبد، ولم يعامَل معاملة قبور الصالحين، لأن الله صانه، فأجاب دعوته فحفظه، وجعل وقيّض من يحفظ هذا القبر من الأيدي الخبيثة؛ لولا الله ثم تمكين من شاء من عباده للمحافظة على هذا القبر كما تشاهدون قد تعرَّض لهذا القبر الخبثاء كالروافض، وربما حاولوا أن يسحبوا الجسد الشريف إلى بلادهم، كما حاولوا في الحجر الأسود ـ أو أخذا بالفعل الحجر الأسود ـ، القرامطة ـ كما تعلمون ـ كانوا يحاولون هذه المحاولة، ولكنّ الله العليم الحكيم القادر على كل شيء مدبّر الأمور جعل من يحافظ على هذا القبر المحافظة الشديدة ليل نهار حتى لا يتعرّض له أحد.

ومحل الشاهد: إذا عُبد القبر بأيِّ نوعٍ من أنواع العبادة بالذبح له، والطواف به، والتبرُّك به يصبح وثنًا؛ والوثن: كلُّ ما يُعبد من دون الله.

رحم الله الشيخ المقريزي على هذا التحليل.

بالنسبة لمسألة من يدعون الله بالموتى ـ أو يوسِّطون الموتى ـ أو من يدعون الموتى أنفسهم مباشرة: هذا العمل ظاهره كفرٌ وشرك ـ شركٌ أكبر وكفر بواح ـ؛ ولكن يفصَّل تفصيل، لا بد من التفصيل: التفصيل: من فعل هذا الكفر وهذا الشرك الأكبر وله عذر يُعذر به، وهو ممّن يُعذر بذلك الجهل وهو له جهل يُعذر به وهو ممّن يُعذر بالجهل، أو كانتْ له شبهة حالتْ دونه ودون فهم ما جاء به النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يُحكم عليه بأنه خارجٌ من الملة، يقال: علمه كفرٌ وشرك، ولكنه يُعذر حتى يتبيّن له الحق، ويتبيّن له الهدى ويتّبع بعد ذلك غير سبيل المؤمنين بهذا يكفُر ويخرج من الملّة.

أما من له جهلٌ يعذر به أو شُبهة قائمة كالذي يعيش بين أُناس ينتسبون إلى العلم فيزيِّنون لهم هذا العمل فيمسونه توسُّلًا ومحبةً للصالحين وليس بشرك: أمثال هؤلاء لا يكفُرون.

وبالاختصار: من يوصف بجهل يُعذر به أو له شبهة لا يكفُر، ومن لا فهو كافر

ـ والله أعلم ـ.

على كلام الشيخ المقريزي: الزيارات انقسمتْ إلى ثلاثة: زيارة الموتى والدعوة لهم؛ هذه الزيارة الشرعية. زيارة الموتى والدعوةُ بهم؛ هذه زيارة شركية في المحبة والألوهية؛ فزيارة الموتى ودعوتهم مباشرةً هذا أكفر من الذي قبله، أشدُّ كفرًا؛ وهل نتصوّر زيارة بدعية لا تصل إلى حدِّ الشرك؟، نعم: كالذين يزورون الموتى فيقرءون القرآن هناك، وربما تمسّحوا بالحجر أو بالحديد، ولكن لم يدعوا الموتى ولم يدعوا بالموتى، لم يدعوهم ولم يدعوا بهم، إلا أنهم عملوا أعمالًا غير مشروعة هناك، كالصلاة هناك لا إلى القبر لكن بجوار القبر يصلون بدعوى بأن الصلاة هناك مقبولة، أو: يقيمون هناك إقامة طويلة كالذين يقيمون ساعة أو ساعتين عند الأضرحة بقصد التبرُّك، أو يقرءون القرآن هناك؛ هذه زيارة بِدعية، لأنهم عملوا هناك أعمالًا بِدعية.

كذلك: تَكرار الزيارة وتَكرار التردُّد إلى القبر وخصوصًا ـ للأسف ـ ما يفعله كثيرٌ من الزوّار الآن، اتّخاذ الذهاب إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كراتبة للصلاة بعد كل صلاة، هذه من الأمور المبتَدَعة، وقد أنكر هذا العمل كثيرٌ من السلف ـ بل من علماء آل البيت ـ كانوا ينكرون إذا رأوا رجلًا يأتي إلى القبر فيُقال له: إذا دخلت المسجد فسلّم عليه وفي صلاتك سلّم عليه وعند خروجك من المسجد؛ كان يُنصح من يُرى يأتي يقف عند القبر، وليس من عادة السلف الذي عاشوا في هذه المدينة وفي هذا المسجد قبلنا التردُّد على قبر رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ كلَّ ما يدخل الإنسان مسجد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو كلما يصلي فيه، هذه من الأمور المبتدعة.

قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وهؤلاء هم المشركون في الربوبية ) ). أشركوا في الربوبية وفي الألوهية معًا لأنهم إذا دعوهم أولًا أثبتوا لهم التأثير، إثبات التأثير من شرك الربوبية، ودعوتهم والاستغاثة بهم وطلب الطلبات منهم ـ طلب قضاء

الحاجات ـ كما سمعتم الأمثة من صاحب التعليق شركٌ في العبادة؛ إذًا: هؤلاء جمعوا بين الشرك في الربوبية وبين الشرك في الإلهية والمحبة.

قال الإمام المقريزي: (( وقد حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية تحقيقًا لقوله ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} ) ). وهذا المبحث إذا قرأتم مثله في (( كتاب التوحيد ) )تجدون بينهما تشابهًا، قارنوا بينهما.

(( حتى نهى ) )حمايةً لجانب التوحيد، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( عن الصلاة في هاتين الوقتين ) ). المفروض: اسم الإشارة كالضمير يعود إلى المذكور، أو إلى المعلوم من المقام: هذين الوقتين، (( نهى عن الصلاة في هاتين الوقتين ) )أين الوقتان؟، هل تقدّم ذكر الوقتين؟،

يعني: معلومٌ من السياق.

(( نهى عن الصلاة في هاتيْن الوقتين ) ). (( نَهى عن الصلاة ) )أو: (( نُهيَ عن الصلاة ) )لأنا في سياق الحديث عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: وقد حمى النبي، لذلك: حمى أفضل، وإنْ كان نُهيَ جائز.

قال المعلِّق ـ رقم (5) ـ: (( المراد بالوقتين: وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ حتى لا تكون العبادة مشوبة ) )ـ مشبَّهة، أو مشوبة صحيح ـ (( بتعظيم الشمس عند طلوعها وغُروبها كما يفعل عُبّادها ) )لأجل هذا نهى.

الشاهد: لأن تكون تلك العبادة تشبه عبادة الذين يعبدون الشمس.

وله تعليقٌ جيِّد في رقم (6) .

قال الإمام المقريزي: (( لكونه ذريعةً إلى التشبيه ) )ـ التشبُّه ـ (( بعُبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين ) )وقت طلوع الشمس ووقت غروبها.

(( وسدّ الذريعة ) )النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ (( بأنْ منع من الصلاة بعد العصر والصبح ) ). الكلام في نوعٌ من التَّكْرار ولكنه تكرارٌ مقبول.

(( لاتّصال هذين الوقتين بالوقتين الذيْن يسجُد فيهما المشركون للشمس ) ). اسم تعليق رقم (6) : (( الصلاة التي تَحرُم عن الشروق والغُروب وبعد الصبح وبعد العصر إلى غُروب الشمس هي الصلاة التي لا سَبب شرعيٌّ لها، حتى لا يُتوهّم أنّ سببها هو تعظيم الشمس عند الشروق والغروب بسبب قُرب هذين الوقتين من وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. أما الصلاة التي لها سبب كالفائتة والضحى وتحيّة المسجد وسنّة الوضوء وغير ذلك ) )من ذوات الأسباب (( فلا تَحْرُم، بل تجب في الفائتة، وتُسنُّ في غيرها ) ). لله درُّه معلِّقًا؛ هذه المسألة هي التي ارْتكب فيها كثيرٌ من طُلاّب العلم، ولا يزالون يناقشون؛ القول الصحيح: ما قاله الشيخ طه؛ أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين محمولة على النوافل المطلقة التي لا سبب لها ـ كما قال الشيخ طه ـ؛ لأن الإنسان إذا صلّى في هاتين الوقتين صلاةً لا سبب لها وتُشبه صلاة الذين ـ أو سجود الذين ـ يسجدون لطلوع الشمس ولغروب الشمس؛ لكن إذا كانت الصلاة لها سبب وجود السبب ينفي هذا التشبُّه ـ أو هذا الشبه ـ؛ هذا القول الذي اختاره الشيخ طه ولم يُشِرْ إلى القول الثاني المقابِل الذي هو في نظرنا ضعيف: هذا القول هو اختيار الإمام الشافعي للتوفيق بين حديث: (( إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصليَ ركعتين ) )وبين أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين، وتبِعه على هذا الاختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيّم وكثيرٌ من المحقِّقين من علماء الحديث؛ هذا هو الفيْصل في هذه المسألة، وإنْ كان علماء الأصول يفخّمون المسألة أكثر من اللازم فيقولون: هذا عامٌّ عارضَ العام، والعام إذا عارض العام يصعُب التوفيق بينهما، ولكنّ الذي استطاع بتوفيق الله أن يوفِّق هو أبو الأصول ـ الإمام الشافعي، يُعتبر كأنه واضعٌ للأصول، ومن قرأ رسالته يدرِك أنه أبو الأصول ـ، ولذلك استطاع بسهولة أن يوفِّق بين هذه النصوص التي ظاهرها التعارُض؛ وفي كلِّ نصِّ عموم، وجه الصعوبة: في كلِّ نصٍّ عموم: (( إذا دخل أحدكم المسجد ) )هذا عام، لأن (إذا) ظرف، وفي قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلُع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرُب الشمس ) )ـ أو كما قال ـ فيه عموم: (( لا صلاة ) )نكرة وقعتْ في سياق النفي ـ أو في سياق النهي ـ تعمُّ؛ كيف توفِّق بين هذا العام وبين هذا العام؟، يرى بعضهم التوفيق: (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) )أي: إذا كان الوقت صالحًا للصلاة؛ هكذا التوفيق عند بعضهم؛ ويرى بعضهم عدم دخول المسجد في الوقتين، لذلك ترى بعض المالكية يحومون حول المسجد حتى يؤذِّن المؤذِّن ـ بل حتى تُقام الصلاة ـ، لماذا؟، لأنهم وقعوا في مشكلة أخرى: بعد الأذان كرهوا صلاةَ ركعتين؛ طوّلوا على أنفسهم: أولًا: تحفّظوا من الصلاة بعد صلاة العصر، أذّن المؤذِّن جاء محذور آخر عندهم: يُكره أن يصليَ الإنسان ركعتين حتى تُقام الصلاة ـ في المغرب ـ، يعني: يبقى بعد صلاة العصر خارج المسجد، فإذا غَربت الشمس وأذّن المؤذن أيضًا لم يرتفع المحظور عندهم لأنه يُكره أن يصليَ ركعتين قبل المغرب حتى تُقام الصلاة؛ كلُّ هذا نوعٌ من الإعراض عن السنة، أو تقديم للآراء على السنة، ولا ينبغي ذلك.

نرجع فنقول ـ كعادتنا ـ: أولئك الذين يعيشون في مناطق نائية لا صلة لهم بدراسة السنة، كل ما يعرفون: مذهبٌ معيّن كأنه خُلق في بلدهم، ولا يعرفون مذهبًا آخر، ويحسبون أن الخبير منحصر والدين كله الذي جاء به النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ منحصر في ذلك المذهب في بلدهم؛ إذًا فليُعذروا حتى يخرُجوا، والخروج سهلٌ اليوم، وقد خرجوا، وخرج من خرج، ورجع من رجع؛ هذا الكلام قبل هذا الوقت، أمّا الآن انتشرت السنة، وانتشرت العقيدة، لذلك طلب العذر للناس ينبغي أن يخفَّف من الآن فصاعِدًا؛ لأن هذا الانفتاح ودخول الناس وخروج الناس، وانتشار الدُّعاة، ووصول الكتب ـ كتب السنة والعقيدة ـ إلى مناطق كثيرة كانتْ مهجورة هذا خفّف الجهل كثيرًا، إلاّ من يريد أن يتعصّب.

قال المعلِّق ـ في رقم (6) ـ: الصلاة التي تَحرُم عن الشروق والغُروب وبعد الصبح وبعد العصر إلى غُروب الشمس هي الصلاة التي لا سَبب شرعيٌّ لها، حتى لا يُتوهّم أنّ سببها هو تعظيم الشمس عند الشروق والغروب بسبب قُرب هذين الوقتين من وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. أما الصلاة التي لها سبب كالفائتة )) هذه واضحة: كالذي لم يُصَلِّ ـ مثلًا ـ ركعتي الصلاة فصلاّهما بعد الصلاة كما وقع هذا في عهد النبي

ـ عليه الصلاة والسلام ـ والنبي أقرّه؛ ممكن أن يُجعل هذا مثال للفائتة؛ (( والضحى ) )كيف الضحى؟، التمثيل للضحى للوقتين لا يصح، غير سليم، إلا إذا توسّعنا وقلنا: يقصد إذا أخّر ركعتي الضحى إلى وقت الزوال ـ وقت وقوف الشمس ـ هذا الوقت منهيٌّ عنه ـ وإن لم يذكر هو ـ يَتصوّر صلاة الضحى لمن لم يتمكّن قبل ذلك؛ أما بالنسبة لِمَا بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر التمثيل بالضحى غير وارد. (( وتحية المسجد ) )معقولة، (( وسنة الوضوء ) )أيضًا: لو توضأ الإنسان بعد صلاة الصبح ـ خرج إلى الميْضا فتوضأ ـ، لكن هذا يغني إذا صلّى تحية المسجد أغنى، إلا إذا تصوّرنا أنه توضأ في داخل المسجد، (( وغير ذلك ) )مثل: الجنازة، ومثل الكسوف بعد صلاة العصر، وكذلك ركعتي الطواف، وسجود الشكر، وسجود التلاوة لأن هذه ـ وإن لم تكن

صلاة ـ لكنها أبعاض الصلاة أجزاء وأبعاض من الصلاة ولها سبب؛ كلُّ هذا داخل في (( غير ذلك ) )ـ والله أعلم ـ.

ثم قال: (( وأما السجود لغير الله فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( لا ينبغي لأحد أنْ يسجد لأحد إلا لله ) ))) . ثم جعل يحلِّل عبارة (لا ينبغي) كيف تدلُّ على النهي.

(((ولا ينبغي) في كلام الله ورسوله إنما يُستعمل ))هذا الأسلوب (( للذي هو في غاية الامتناع ) )ليس امتناعًا عاديًّا (( كقوله ـ تعالى ـ: {وما ينبغي للرحمن أن يتّخذ ولدًا} ) )لأن هذا نقص في حق الله ـ تعالى ـ، (( وقوله ـ تعالى ـ: {وما علّمناه الشعر وما ينبغي له} ) )أن يتعلّم ـ النبي عليه الصلاة والسلام ـ، (( وقوله

ـ تعالى ـ: {وما تنزّلتْ به الشياطين وما ينبغي لهم} ، وقوله ـ تعالى ـ: {ما كان ينبغي لنا أن نتّخذ من دونك من أولياء} )) (ينبغي) في هذه الأساليب تدلُّ على غاية الامتناع؛ وهذه فائدة علميّة بلاغية ومن بلاغة القرآن وأسرار القرآن التي تسمعون هنا، خذوها هكذا رخيصة جاءتْ لكم، ارجعوا إلى كتب التفاسير حتى يتّضح لكم هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت