{إياك نعبد} وفي (( الصحيح ) )عنه ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: أنه قال: (( لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )ـ يحذِّر ما
صنعوا ـ؛ وفيه: عنه ـ أيضًا ـ: (( إنّ مِنْ شرار الناس: من تُدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد ) )؛ وفيه ـ أيضًا ـ: عنه ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: (( إنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون القبور مساجد؛ ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) )؛ وفي (( مسند الإمام أحمد ) )و (( صحيح ابن حبّان ) )عنه ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: (( لعن الله زوّات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج ) )، وقال: (( اشتّد غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )، وقال: (( إنّ مَنْ كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله ) ) [1] .
(1) قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( فالشرك به ـ تعالى ـ في الأفعال: كالسجود لغيره ـ سبحانه وتعالى ـ ) ). من سجد لغير الله أو ركع لغير الله قد أشرك بالله ـ تعالى ـ في أفعاله ـ عبادة فعلية ـ، كذلك الذبح عبادةٌ فعليّة؛ في العبادات الفعلية لا يجوز الإشراك بالله ـ تعالى ـ، التي يقدِّمها العبد فعلًا كالسجود والذبح.
(( والطواف بغير بيته المحرّم ) ). لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - شبّه الطواف بالصلاة: الطواف بمثابة الصلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلمّ فلا يتكلّمن إلا بخير ـ أو كما قال عليه الصلاة والسلام ـ؛ صرف الطواف إلى غير بيت الله ـ تعالى ـ والطواف بالأضرحة والمشاهد والقبور بقصد التبرُّك وبقصد النفع والضُر، وخصوصًا مع نداء صاحب القبر كما يحصل الآن ـ مع الأسف ـ في كثير من الأقطار: يطوفون بالضريح وينادون صاحب الضريح، يجمعون بين الشرك بالطواف وبين الشرك بالقول بنداء غير الله ودعاء غيره، ويقترن بذلك: الإشراك بالإرادة ـ القصد ـ يعتقدون بأن صاحب القبر له تأثير بدليل أنه يطلبون منه الشفاعة في حال الطواف يطلبون منه المدد في هذه الدنيا وأن يمدّهم بخير ويطلبون منه الشفاعة؛ معناه: صرفوا جميع العبادات لصاحب الضريح؛ وكما قلنا وبيّنا في بعض الدروس السابقة: قد يكون الضريح ليس تحته شيء فارغ، وقد يكون تحته رجلٌ صالح، وقد يكون تحته رجلٌ طالح شيطان كان من الطواغيت، وقد يكون تحته حمار كما يُحكى في بعض الأضرحة المدفون في ذلك الضريح أنه حمار ليس بآدمي، لا فرق، إذْ لا فرق بين عبادة الشيطان وعبادة الصالحين لا فرق، وإنْ كان هناك فرقٌ عند الله بين الشيطان وبين الصالح، لكن من حيث عدم استحقاق العبادة لا فرق، لا فرق بين من يعبد صالحًا ـ نبيًّا، ملَكًا، رجلًا صالحًا ـ وبين من يعبد حمارًا أو شيطانًا أو حجرًا لا فرق بينهم كلهم واحد، إذْ لا يستحق العبادة إلا الله؛ الصالحون يستحقون منا: الذكر الجميل، والدعاء لهم، وأن نحبهم في الله، وأن نتقرّب إلى الله بمحبتهم، لكن لا يُعبدون، لا يستحقُّون العبادة لكونهم صالحين؛ هذه النقطة ـ وإنْ كان طلاب العلم يفهمون ـ
[خلل في التسجيل] .
(( وحلق الرأس عبوديّة وخضوعًا لغيره ) ). حلق الرأس شُرع لنا عبادة عند التحلُّل من الحج والعمرة؛ ولو حلق شخصٌ مّا عبادة وخضوعًا لشيخه، لأن بعض المشايخ
ـ أو بعض الأضرحة ـ لهم أعياد سنوية، منهم من عيده شهري، ومنهم من عيده أسبوعي، ومنهم من عيده سنوي، ولَمّا جاء عيد الشيخ حلق رأسه عبوديّة وتواضُعًا للشيخ، أشرك ـ سبحان الله ـ بحلق الشعر.
قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض ) ). تقبيل الأحجار، وتقبيل الأشجار، وتقبيل الشبابيك والأعمدة والجُدران تبرُّكًا بهذه الجمادات قد تؤدِّي إلى الشرك الأكبر إذا اعتقد بأن هذه من آثار الصالحين وأن الصالحين لهم تأثير وآثارهم لها تأثير، إن لم يصل إلى هذه الدرجة يكون من باب الشرك الأصغر، وقد لا يصل وقد يقف عند مجرّد الابتداع ـ أنهم عملٌ مبتَدع ـ، يرجع إلى قلوب العباد الذين يفعلون هذا.
وإنما شرع الله لنا في هذه الدنيا تقبيل حجر واحد: الحجر الأسود، لا ليُعبد، ولكن جعل الله تقبيله عبادة كما جعل الطواف بالبيت عبادة واستلام الركن اليماني عبادة؛ الله ـ سبحانه وتعالى ـ يجعل ما شاء من الأعمال عبادة قُربى تقرِّب العباد إلى الله؛ وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لشدّته - رضي الله عنه - وليسمع الناس يقبِّل الحجر ثم يخاطبه يقول: (إنني أعلم بأنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلك ما قبّلتك) يخاطبه مخاطَبة، هذا من باب تشبيه الحجر بالعاقل: لَمّا قُبِّل نُزِّل منزلة العاقل فخاطبه لشدّة إيمانه ـ رضي الله تعالى عنه ـ.
ثم ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة له لسان ينطق به فيشهد لِمَن قبّله بحق؛ نحن أهل السنة والجماعة ـ بحمد الله ـ لا نستغرب مثل هذا الخبر ـ وإنْ كان غريبًا عند غيرنا ـ لأننا نؤمن بأن الله قادرٌ على أن ينطِق الجمادات، نطقت الجمادات في الدنيا هنا: سلّم حجرٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وستنطق أشياء ـ كالأرجل
والأيدي ـ يوم القيامة؛ لذلك نحن لا نستغرب إذا أَخبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن الحجر مثل هذا الخبر، المدار عندنا: الصحّة، إذا صحّ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ صحّة لا يُشَكّ فيها ـ وإنْ لم يصل إلى درجة التواتُر ـ نحن يجب علينا أن نصدِّق لأن من الإيمان بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ تصديقه فيما أَخبر، ليس معنى تصديقك إيّاه فيما أخبر يما يوافِق هواك ومعقولك، بل حتى ولو جاء على خلاف هواك وعلى خلاف المألوف وعلى خلاف العادة وأخبرك عن أمر خارق للعادة كهذا كتكلُّم الحجر وأنه يأتي وله لسان ينطق به يجب أن تصدِّق؛ ابحث أولًا عن صحّة الحديث، إذا صحّ الحديث لا يسعك إلا تصديقه وذلك من الإيمان بالنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
تقبيل الحجر الأسود إنما شُرع في أثناء الطواف، وثبت ـ أيضًا ـ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما انتهى من الطواف وصلّى ركعتين وشرب من ماء زمزم رجع إلى الحجر فقبّله فوضع جبهته عليه؛ نفعل كما فعل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا نزيد على ذلك؛ كل ما ندخل الحرم نقبِّل لا، نطوف فنقبِّل، وإذا بعد انتهاء من طواف القُدوم فعلى الإنسان كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وتمكّن من الزحام في مثل هذه الأيام قد لا يتمكّن لأن الناس كَثُرت الآن إنْ فعل ذلك فجائز ومشروع.
قال: (( وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض ) ). الحديث الذي أشار إليه يُروى مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس وعلى عِكرمة: قال بعضهم: ليس بصحيح؛ الحديث تمامه هكذا: (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض؛ فمن قبّله فكأنما قبّل يمين الرحمن ) )؛ فأراد بعضهم أن يفسِّر الحديث على فرْض صحته: قالوا: ليس معنى ذلك: هو صفة من صفات الله لا، بدليل: ما جاء في آخر الحديث ما جاء في آخر الحديث: (( فمن قبّله فكأنما قبّل يمين الرحمن ) )ـ أو يمين الله ـ، ليس هو يمين الله الذي هو صفة من صفات الله ـ على فرْض صحة الحديث ـ، ولكن يُطلق عليه يمين الله في الأرض؛ يطلق على الحجر الأسود كما يُقال له الحجر الأسود والحجر الأسعد يقال له: (( يمين الله في الأرض ) )؛ لا يلزم من هذا أن يكون صفة من صفات الله بدليل: ما جاء في آخر الحديث: (( فمن قبّله فكأنما قبّل يمين الله ) )ـ أو يمين الرحمن ـ؛ هذا لو صادفت يومًا ما صحّته ـ والحديث حتى الآن لم يصح ـ ثم أشكل عليك المعنى هذا ما قاله أهل العلم في توجيه هذا الحديث ـ والله أعلم ـ.
(بيت الله) : بيت عبادة الله، (ناقة الله) هذا من باب إضافة تشريف، تشريف للكعبة وتشريف للبيت، نعم قد يقال: هذا من باب التشريف: تشريف هذا الحجر بإضافته إلى الله، ولكن الإشكال هنا بالنسبة للحجر ليس بالإضافة إنما في تسمية (يمين) هذا هو محلّ الاستشكال؛ كلُّ هذا بعد صحّة الحديث، وإلى هذه اللحظة لم يصحّ هذا الحديث عندنا ـ والله أعلم ـ؛ إذا كان عند أحدٍ من طلاّب كلية الحديث اطّلاع على هذا الحديث أو معرفة الصحة يبلِّغنا بعد الدرس.
من ذلك: (( تقبيل القبور، واستلامها، والسجود لها ) )هذه كلها من العبادات الفعلية؛ كما ترون هذه الأفعال تتفاوت: تقبيل القبور إنْ كان بمجرّد محبة صاحب القبر أو التبرُّك به لا يصل إلى حد الكفر، واستلام القبر أيضًا؛ لكن السجود للقبر رِدّة؛ لذلك هذه الأفعال تتفاوت، إلا إذا صحب تقبيل القبر واستلام القبر الاعتقاد في صاحب القبر بأنه له تأثيرًا وله نفعٌ في العطاء والمنع، بهذا الاعتقاد يكفُر؛ أما مجرّد الاستلام ومجرّد التقبيل لا يصل إلى حدِّ الكفر، ليس كالسجود؛ أما السجود فكفرٌ لا شك.
هنا بعض الفوائد في التعليق تقرءون فيما بعد، نحن نواصل في المتن.
قال الإمام المقريزي: (( وقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اتّخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ) ). يصلي فيها، يصلي عندها، يعتقد أن الصلاة عندها وأن العبادة عندها وأن الدعاء عندها مستجاب؛ هذا معتقد جمهور المسلمين إلا من شاء الله: يعتقدون أن المساجد التي فيها قبور الصالحين الصلاة فيها أفضل وأنها مقبولة والدعاء عندهم مستجاب وقراءة القرآن
ـ وخصوصًا قراءة سورة (يس) ـ هكذا زيّن لهم الشيطان.
(( فكيف من اتّخذ القبور أوثانًا تُعبد من دون الله ـ تعالى ـ؟ ) ). كالذين يطوفون بتلك القبور، ويصلُّون إليها قصْدًا، ويذبحون عندها، ويجعلون في أموالهم النذور لهم: يوفي هذا النذر سنويًّا أو أسبوعيًّا لا بد أن يكون في الحوْش تيْس أو كبش للشيخ ليحفظ هذا المنذر، هذا المنذور به يحفظ الأموال، لأن الأموال يكون فيها نذْرٌ للشيخ؛ أو شجرة نخل بسببها تُحفظ الأشجار؛ هذا دين الوثنيِّين، لكن ـ للأسف ـ منتشرة هذه العقيدة عند كثيرٍ من الناس بتزيين من علماء السوء الذين يفسِّرون لهم هذه الوثنية وهذا الشرك: أنّ هذا من محبّة الصالحين ومن التوسُّل بالصالحين وليس من الشرك؛ وبعضهم يُعلن ويقول: هل من شرك اليوم بعد شرك كفّار قريش؟، لا يوجد شرك بعد شرك كفّار قريش، هذا ما سمعته بأذنيّ من واعظ كبير يمشي مع الحجّاج ليعظهم ويذكِّرهم فإذا جاءتِ المناسبة: (مَا فِيْشْ حاجة اسمه الشرك اليوم، الشرك ذهب مع كفّار قريش، انتهى) ؛ الله المستعان!، ومن المصائب ما يُضحك.
(( فكيف من اتّخذ القبور أوثانًا ) )يعبُدها من دون الله؛ وهذا شيءٌ مشاهَد.
قال ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} إياك وحدك نعبد، ولا نعبد الأضرحة ولا الصالحين، فالصالحون عباد الله، والعباد لا يستحقُّون العبادة، العبد ـ أيًّا كان ـ لا يستحقُّ العبادة، لذلك الله في رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {سبحان الذي أسرى بعبده} سمّاه عبدًا، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدٌ لا يُعبد، وسمّاه رسولًا، رسولٌ يطاعُ ولا يعصى؛ هذا المعنى كرّره الإمام ابن عبد الوهّاب في بعض مؤلَّفاته؛ معنى ينبغي أن ينبّه العوام على هذا، لأن التنبيه على هذا في حقّ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقضي على تعلُّق الناس بالصالحين من بعده من دونه؛ ينبغي التركيز على هذا، بعضهم يهاب ويتخوّف أن يقول مثل هذا الكلام في رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، هذا تهيُّبٌ غريب، إذا كان الداعية يهاب أن يبيّن الحق للناس مخافة ـ أو مراعاة ـ شعور الناس وعواطف الناس في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يستطيع أن يبيِّن الحق؟، يجب أن يبيِّن الحق ويبيّن للناس بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما له عند الله من مكانة ومنزلة وجاه وأنه إمام المرسلين وموصوفٌ بجميع صفات الكمال الخَلْقية المناسِبة للخلق ـ أو النسبيّة: الكمال النسبي الذي دون كمال الله تعالى ـ مع ذلك كله لا يستحق العبادة أبدًا؛ هذا المعنى مفهومٌ لدى طُلاّب العلم، لكن لماذا نقوله ونكرِّره أمام طلاّب العلم؟، ليبلِّغوا لغيرهم من عوام المسلمين الذين لديهم عواطف فيّاضة في رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وهذه العواطف قد تمنعهم من مثل هذا القول، ويرون مثل هذا القول جُرأة على رسول الله
ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ولكنهم لا يفقهون.
(( وفي (( الصحيح ) ): عنه ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أنه قال: (( لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )ـ يحذِّر ما صنعوا ـ )) . لاحظوا: لعنهم لكونهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد للصلاة، المسجد محلٌّ للصلاة، لم يعبدوها، ولكن اتّخذوها مساجد، يقصدون الصلاة فيها وعندها تبرُّكًا ورجاء أنْ تُقبل صلاتهم.
(( وفيه: عنه ـ أيضًا ـ: (( إنّ مِنْ شرار الناس: من تُدركهم الساعةُ وهم أحياء ) ))) . من هنا تعلمون: أن قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( لا تزال طائفةٌ من أمتي منصورة على الحق إلى يوم القيامة ) )ـ أو إلى قيام الساعة ـ (( لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ) )معناه: إلى قُرْب قيام الساعة؛ لا تقوم الساعة على الطائفة المنصورة، لا، الطائفة المنصورة ينتهي أمرهم قبل الساعة بأن يبعث الله ريحًا تقبض أرواحهم حتى لا يبقى على وجه الأرض إلاّ شِرار الخلق (( وحتى لا يقال على وجه الأرض: الله، الله ) )، أي: جميع الموحِّدين ينتهون، (( لا تقوم الساعة إلا على لُكَع بن لُكَع ) )أي: على شِرار الخلق؛ إذًا: الصالحون والفِرقة الناجية يستمرُّ وجودهم مع قِلّتهم في العدد في الآونة الأخرة وسيقلُّون ويكثُر الشر إذْ ما من عام إلا والذي بعده شرٌّ منه، لكن لا تزال الطائفة منصورة منتشرة موزَّعة في العالم، قلّتهم قلّة نسبيّة أي: يقلُّون في مكان ويكثُرون في مكان، لكن بمجموعهم هم كثْرة، ثم ينضمُّون إلى السواد الأعظم للمسلمين الذي في العُهود الأولى الذين هم في قرن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ والذين بعده: (( خير الناس: قرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) )ينضمُّ هؤلاء إلى أولئك فيألِّفون ويكوِّنون السواد الأعظم الذي يتبَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما يُبْعث، فهو أكثر الأنبياء أتباعًا.
نبّهت على هذا لأن لا يستوحش بعض الناس من كثرة الشر وكثرة أصحاب الشر وكثرة المنحرِفين وقلة الملتزمين المتمسِّكين في هذا الوقت؛ فلتعلموا بأن القلة قلة نسبية، قد يكثُرون في هذا المكان ويقلُّون في مكان آخر ويكون أقل في مكان آخر، لكن في مجموعهم هم كثرة ـ ولله الحمد ـ خصوصًا في هذا الوقت؛ هذا الوقت أكثر من وقت مضى في حياتنا هذه يعني: إذا قارنّا ما بين الستِّينات والسبعينات بهذا الوقت: اليوم هم أكثر، لأن العقيدة اليوم انتشرتْ أكثر، في ذلك الوقت كانت الغُرْبة أشد بكثير، لو وُجد كتاب (( فتح المجيد ) )في أي أرض خارج حدود هذا البلد يُحرق ويُلعن المؤلِّف، والآن نحن نعجز من تأمين كتب التوحيد لإخواننا في الخارج في إفريقيا وفي آسيا نعجز أن نؤمِّن لهم لكثرة رغبتهم وانتشار هذه العقيدة في تلك الأقطار النائية، انتشرت وهم يطلبون منّا الكتب ليل نهار ونحن نعجز من تأمين الكتب لهم؛ هذا دليل واضحٌ بأن الوقت هذا متحسِّن بالنسبة أكثر فأكثر من الوقت الذي عشناه نحن طلاب العلم وأنتم لم تُدركوا.
لذلك: لا تزال الطائفة منصورة، وأنّ القِلّة والكثرة أمرٌ نِسْبي بالنسبة من بلد إلى بلد ـ الحمد لله على ذلك ـ.
وبعد: يقول المقريزي: (( وفيه: عنه ـ أيضًا ـ: (( إنّ من شرار الناس: من تُدركهم الساعة وهم أحياء ) ))) ومحل الشاهد: (( والذين يتّخذون القبور مساجد ) )هذا محل الشاهد من الحديث، الذين يتّخذون القبور مساجد من شِرار الخلق كما أنّ الذين تُدركهم الساعة وهم أحياء من شرار الخلق، انظروا إلى هذا التشبيه أمرٌ خطير: اتخّاذ القبور مساجد، وهُجران البيوت وعدم الصلاة فيها، وهُجران المساجد التي لا قُبور فيها، لأن في بعض الأقطار ـ خصوصًا يوم الجمعة ـ يبحثون عن المسجد الذي فيه قبر؛ لاحظوا أن بعض الناس يذهب من مكان بعيد إلى منطقة تسمى (الشافعي) ليصلوا في
(مسجد الشافعي) لوُجود القبر، أو في (مسجد الليث بن سعد) ؛ هذا وهذاك، الليث بن سعد له تابوتٌ معمَّم بعِمِّته، والإمام الشافعي ما رأيت له تابوتًا، لكن الليث بن سعد له تمثال، ولكن يُقصد قبر الإمام الشافعي أكثر من قبر الليث بن سعد، حتى المنطقة كلها تسمى منطقة الشافعي، لو ركبت (أوتوبيس) وقلت له: أوصلني إلى (الشافعي) يوصلك، منطقة عُرفتْ به، مع العلم أنّ الليث قريب؛ على كلِّ اشتُهر هذا المسجد ويُقصد يوم الجمعة للصلاة فيه؛ وما اشتُهر ذلك إلا لكونه يُقصد للصلاة، وأكثر من يقصد ـ من باب الإيضاح ـ طُلاّب العلم ـ للأسف ـ فيطلبون منه النجاح، يطلبون النجاح من الإمام الشافعي، الغريب: لا يطلبون من الليث، لا أدري ما هو السر؛ وهذه النقطة ذكرها الشيخ عبد الرحمن الوكيل يوم كان طالبًا عندما توزَّع أوراق الاختبار على الطلاّب، يقول: يضعون الأوراق فيقومون فيتّجهون إلى قبر الإمام الشافعي فيتوسّلون به طلبًا للنجاح، والأستاذ المراقِب لا يزيد على أن يقول بعد أن يتركهم عدّة دقائق: (خلاص يا أولادي الإمام سمع، اجلسوا، الإمام سمع) ؛ كيف تسألون هذا السؤال هل طالب العلم الذي يعيش في تلك المنطقة يُعذر أو لا يُعذَر؟، معذور، وجود مثل هذا العالم وهذا الشيخ وهذا المدرِّس شبهة مجسّدة تحول بين طلاب العلم وبين فهم الحق.
هذا الإمام الشافعي، ولكن الإمام ـ رحمه الله ـ سوف يتبرّأ من هذه العبادة كما يتبرأ غيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وفي الواقع: إنما عبدوا الشيطان ـ كما تقدّم في بيان المقريزي ـ ثم عبدوا ذلك الضريح، والإمام الشافعي برئ من ذلك.
وبعد: (( وفيه ـ أيضًا ـ عنه ـ صلى الله عليه وعلى وسلم ـ: (( إنّ من كان قبلكم يتّخذون القبور مساجد ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) )؛ وفي (( مسند الإمام أحمد ) )و (( صحيح ابن حبّان ) ): عنه ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: (( لعن الله زوّات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج ) ))) . محل الشاهد من الحديث: (( والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج ) )؛ فزوّار القبور هذه الرواية لا شك في صحتها، أي: المرأة التي تكثِر من التردُّد على القبور للزيارة، إذا صحّتْ هذه الرواية يُبْحث في الرواية الأخرى: (( لعن الله زائرات القبور ) )هل صحيحة أم لا؟، بعضهم يصحِّح (( زوّارات القبور ) )ويضعِّف (( زائرات القبور ) )ليقول: إنما النهي واللعن بالنسبة للمكثِرات من زيارات القبور لا بالنسبة لمن تزور القبور أحيانًا؛ هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم، ولكن الذي عليه المحقِّقون من علماء الحديث: أن زيارة القبور منهيٌّ عنها
ـ يصحِّحون الرواية الثانية ـ للنساء مطلَقًا إذا كانتْ قاصدًا؛ إلاّ إذا سلّمتْ على أهل مقبرة فسلمّت على أهل المقبرة وهي غير قاصدة للزيارة.
وبالنسبة لقبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: لو دخلت الروضة ممّا يلي الحُجرة كما يخصَّص في بعض ساعات النهار قسمٌ من الروضة للنساء للصلاة، لو دخلت المرأة المسلمة هناك للصلاة، ثم سلّمت لأنها جاءتْ قبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أرجو أن لا يدخل ذلك في هذا اللعن لأنها لم تقصد الزيارة، وإنما دخلتْ للصلاة ثم سلّمت لَمّا جاءتْ قُرب المسجد.
كذلك لو مرّت في البقيع في سيّارتها وهي ماشية ـ أو بشهداء أحد أو بأي مقبرة ـ وسلّمت كما يسلِّم المسلمون لا مانع من ذلك؛ قد يُستدل لهذا بقصة عائشة ـ رضي الله عنها ـ حيث سألت النبي ماذا تقول إذا زارت القبور فعلّمها ماذا تقول، ولم ينكر عليها هذا السلام؛ بل استدلّ بعضهم بهذه القصة على جواز زيارة النساء للقبور مطلقًا ولو كانتْ قاصدًا، إلا أنّ كثيرًا من المحقِّقين حملوا قصة عائشة أنها لم تخرُج قاصدة، ولكنها تعني: أنها إذا مرّتْ وأرادتْ أن تسلِّم ـ والله أعلم ـ؛ هذه مسألة استطرادية.
أما اتّخاذ القبور مساجد، وأن تنوّر القبور بالشمع والقناديل فيما مضى وبالمصابيح الكهربائية كما هو الآن هذا محل لعن؛ لأن في هذا تعظيم، وتعظيم القبر بالمصابيح والكسوة الخاصة بالحرير وما يقرُب من الحرير يدعوا إلى التعظيم، وهذا التعظيم قد يصل إلى تعظيم يُشبه تعظيم الله، وتلك عبادة قلبية وهي من الإرادات.
(( وقال: (( اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )، وقال: (( إنّ من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله ) ))) . الظاهر: الشيخ روى الحديث بالمعنى؛ وهذا الحديث في قصة بعض أمّهات المؤمنين ـ أو بعض النساء الصحابيّات ـ بعد رجوعهن من الهجرة إلى الحبشية، وصفوا ما رأوا هنا، فوصفهم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( أولئكِ شرار الخلق ) )لأنه (( إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور ) )، (( أولئكِ شرار الخلق عند الله ) ).
الشاهد: تعظيم القبور، واتّخاذها مساجد، وتسريجها، وتصوير أصحاب القبور، وتعليق الصور هناك كل ذلك محل اللعن.
فالمؤلِّف يريد أن يقول ـ كما تقدّم ـ إذا كانت هذه الأفعال محلُّ اللعن فما بال الذين يتّخذون القبور أوثانًا يعبدونها مباشرة؟، لا يصلون فيها تبرُّكًا ولكن يصلون لها، يذبحون لها، والنذر لها، ويدعون أصحابها دعاء، ويجأرون بأسمائهم بدلًا من أن يجأروا باسم الله حيث لا تسمع في تلك المنطقة من العُبّاد في تلك اللحظة في أيام عيدهم قلّ ما تسمع من يقول: (يا الله) إلا: (يا فلان، يا فلان) الفلان الذي جاءوا من أجله ـ الله المستعان ـ.