فهرس الكتاب
ملِكًا ظالمًا فادّعى النبوّة وكذب على الله، ومكث زمنًا طويلًا يقول: أمرني بكذا ونهاني عن كذا، ويستبيح دماء أبناء الله وأحبّائه؛ والرب ـ تعالى ـ يُظهره ويؤيِّده، ويُقيم الأدلة والمعجزات على صدقه، ويُقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه، ويُقيم دولته على الظهور والزيادة ويذلُّ أعدائه أكثرَ من ثمان مائة عام. فوازان بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين سواء.
ولا قدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى ولا يَبْعث من في القبور ليبيِّن لعباده الذي كانوا فيه يختلفون وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [1] .
(1) قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( ولا قدره حق قدره من نفى رحمته ورضاه ومحبّته وغضبه وحكمته مطلَقًا ) ). هؤلاء الذين نفوا رحمةَ الله ـ تعالى ـ حسْب معرفتنا يدخل في هذا العموم: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وإنْ كانت الأشاعرة لم تصرِّح بالنفي لكنهم أوجبوا التأويل تأويل الرحمة والرضى والمحبة والغضب والفرح والضحك، كلُّ هذه الصفات ـ صفات الأفعال ـ يجب تأويلها عند الأشاعرة، وذلك التأويل يتضمّن النفي أي: نفيُ هذه الصفات وإثبات صفة الإرادة بدل هذه الصفات، لأنهم أوّلوا كلّ هذه الصفات.
نشرح الآن موقف الأشاعرة، أما بالنسبة للجهمية والمعتزلة ينفون نفيًا فيريحوا خصمهم، لكنّ الذي يُتعِب خصمه ـ أو يتعب أولًا هو في التأويل والتكلُّف ثم يُتعِب خصمه ـ هم الأشاعرة، دائمًا ليسوا بصرحاء. قالوا: نحن لا ننفي هذه الصفات، ولكن نؤوِّلها بما يليق بالله ـ تعالى ـ، لأنه لا يليق بالله أن نصفه بالرحمة والمحبة والرضى والغضب، لأنّ هذه انفعالات نفسية تدلُّ على الخَوَر وعلى الضعْف وهذا لا يليق بالله ـ تعالى ـ، ما الذي يليق بالله؟، يعني: في زعمهم هم الذين يعلمون ما يليق بالله؛ يا سبحان الله! الله [سبحانه] لا يعلم ما يليق به فيصف نفسه بهذه الصفات ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ يصفه بهذه الصفات وهو المأذون له من الخلق أن يصف ربه {أأنتم أعلم أم الله} أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما تقولون: هذه الصفات ظاهرها غيرُ مراد وغيرُ لائقة بالله فيجب تأوليها وُجوبًا؛ الوجوب حكم شرعي، لا يجوز لعبد أن يقول في دين الله: (هذا واجب) و (هذا حرام) و (هذا حلال هذا مباح) إلا بإذن من الله؛ ارتكبوا عدّة محظورات، أوجبوا تأويل هذه النصوص كلها؛ إذًا: يدخلون في المعطِّلة وفي الذين لم يقدِّروا الله حقّ قدره في هذه الصفات.
يُستحسن أن نقرأ ما كتب المعلِّق هنا لعلّ بعض الطلاّب ما يفهمون مراده ـ في رقم (4) : (( يريد الشيخ بهذا الصنف: المؤوِّلين الذين يؤوِّلون صفات الله [تعالى] التي لا يليق مثلها في الإله ) )عندكم: (( في الحوادث ) )هذه العبارة قلقة، والمعنى هكذا كما سيتضحّ مما سيأتي، (( كالرحمة والرضى والغضب والمحبة والعجب والضحك كما ورد في بعض الأحاديث: أن الله يعجب من شاب [ليستْ له صَبْوةٍ] ) )لفظ الحديث هكذا وهو روى بالمعنى، (( ويضحك الله من رجلين يقتتلان ثم يدخلان الجنة ونحو ذلك ممّا ورد من الصفات؛ وله نظير ) )انتبهوا من هنا (( وله نظيرٌ في الحوادث ) )أي: له مثيلٌ في الحوادث، (( وهذا النظير لا يليق بالله ) )هذا كلام المعلِّق هذه من الرواسب التي بقيَتْ عنده، أي: الصفات التي لها نظيرٌ في الخلق يجب تأويلها لأنها لا تليق بالله، هذه الصفات نظائرها موجودة في المخلوق: المحبة والرضى والضحك والعجب، إذًا يجب تأويلها هذا هو مذهب الأشاعرة؛ بقيت هذه النقطة عند المعلِّق لأنه قريب عهد به؛ ويقول المعلِّق: (( وهذا النظير لا يليق بالله ) )أي: الصفات التي لها نظير لها نظائر في المخلوق ـ كما قلنا: الصفات الفعلية التي سموها هي انفعالات نفسية لا تليق بالله ـ (( فقد أوّلوا هذه الصفات ) )الذين أوّلوا ـ كما قلت لكم ـ هم الأشاعرة والماتورودية أوّلوا (( وجعلوا الرحمة والرحمة والمحبة بمعنى النعيم، والغضب والسخط بمعنى العذاب، والعجب برفعة مكانة الشاب عند الله، والضحك بمعنى التجلِّي عليهما وتنعيمهما ونحو ذلك ) )هذا كله قولٌ على الله بغير علم، من أخبركم بأن الله يريد هذا المعنى؟، إذا كان الله يريد هذا المعنى لماذا لم يعبِّر ولماذا لم يُخبر هذا المعنى فيتركنا على ظاهر لا يليق بالله ـ تعالى ـ؛ هذا القرآن نزل على محمد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقرأه على الصحابة لم يقل لهم يومًا لهم ظواهر هذه النصوص غيرُ مراد الله ظواهرها لا يليق بالله، ونطق بأحاديث وتركها على ظاهرها كما يفهم الناس، ولم يُخبر أنّ هذا الظاهر غيرُ مُرادي ومرادي هذه المعاني؛ من أين علمتم أنتم مراد الله بعد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبعد القرون المفضَّلة والسلف كلهم لم يؤوِّلوا هذا التأويل، وأنتم القائلون:
وكلُّ خير في اتّباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
أيها الخلف المتخلِّفون من أين عرفتم أنتم هذه المعاني؟، تخرُّصات، ظنون.
ثم قال المعلِّق: (( وقد أراد الشيخ ) )المراد بالشيخ: المؤلِّف (( بنفي هذه الصفات أنّ تأويلها ينفيها ويُثبت بدلها صفات أخرى، ومن يفعل ذلك لا يكون قدر الله حقّ قدره ) )إذا كان المؤلِّف قال هذا الكلام ويجب أن يقول معه المعلِّق هذا الكلام والدارس هذا الكلام، (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات واعتقاد أنها مخالفة لصفات الخلق ) )إذا كان المؤلِّف يريد هذا المعنى والمعلِّق يجب أن يريد معه هذا المعنى لأن هذا هو الحق، ولا يكفي للمعلِّق أن يحكي ويُخبر أن المؤلِّف يريد كذا، نعم المؤلِّف يريد هكذا، والمعلِّق يجب أن يوافق ويبيِّن، ولا ينبغي أن يُترك الموضوع هكذا مبهمًا ـ بالنسبة للمعلِّق ـ.
النظير ـ كما تقدّم ـ كل صفة لها نظير ـ سبق هذا الكلام ـ؛ كل صفة لها نظيرٌ في المخلوق لا تليق بالله، وكلُّ اسمٍ له نظير في المخلوق لا يليق بالله؛ لذلك فيما تقدّم حصل نوعٌ من التناقُض، حتى إنه نفى الفاعل مع الخالق، جعل الفاعل كالخالق؛ فكلمة
(النظير) المراد بالنظير: كلُّ صفة لها نظير ولها شبيه أي: تتّفق مع صفات المخلوق لا يجوز إثباتها يجب تأوليها؛ وهذا ليس بشيءٍ جديد، هذه عقيدة ثابتةٌ عندهم.
ولكن العبارة الأخير هذه هي التي يمكن أن يتصيّد منها الإنسان نوعًا من الموافقة وإنْ كانتْ موافقة غير صريحة: قوله: (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات واعتقاد أنها مخالفة لصفات الخلق ) )أي: إثباتها على ظاهرها ثم القول بأنها مخالفة لصفات الخلق، وإنِ اتّحدتْ معها في اللفظ؛ لو كان هذا كلام المعلِّق نقول: إنه موافق، لكنّ السياق يدلُّ عليه أنه يحكي كلام المؤلِّف.
نقرأ مرّة ثانية: (( وقد أراد الشيخ بنفي الصفات: أنّ تأويلها ينفيها ) )هذا واقع: إذا أوّل نفى؛ (( ويُثبت بدلها صفاتٍ أخرى ) )صفات أخرى هي الصفة المؤوّلة إليها وهي الإرادة، ليستْ صفات، صفة واحدة، كلُّ هذه الصفات حوّلوها إلى صفة واحدة وهي صفة الإرادة، ليستْ هنا صفات: (( ويُثبت بدلها صفات أخرى ) )على الأصح: صفة أخرى؛ (( ومن يفعل ذلك لا يكون قدر الله حقّ قدره ) )من زعم أنّ هذه الصفات يجب تأويلها وإثبات صفاتٍ أخرى مكانها ـ بدلها ـ لم يقدِّر الله حقّ قدره؛ (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات ) )الذي يظهر إلى الآن: السياق في حكاية كلام الشيخ؛ (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات على ظاهرها ) )الظاهر الذي يليق بالله، (( واعتقاد أنها مخالفة لصفات الخلق ) )هذا هو كلام السلف؛ (( تُمَرُّ نصوص الصفات كما جاءتْ على ظاهرها ) )ولكن الظاهر الذي يليق بالله ـ تعالى ـ لا الظاهر الذي يناسب المخلوق، كما هو الشأن في جميع الصفات الذاتية، هذه صفات فعلية كلها؛ في الصفات الذاتية ـ مثلًا ـ نقول: لله سمع، سمعُ الله ـ تعالى ـ سمعٌ يليق به، ولكن له نظيرٌ في المخلوق، نقول: للمخلوق سمعٌ يناسبه، سمع الخالق على الحقيقة وسمع المخلوق على الحقيقة، ولكن ليست الحقيقة كالحقيقة، والحقائق تختلف، حتى في المخلوق الحقائق تختلف مثلًا: لفظة (رأس) رأس الجبل، رأس الإنسان، رأس الجمل، رأس الإبرة؛ هذه رؤوس كلها ـ حقائق ـ، وهل هي متشابهة مختلفة جدًّا، رأس الجبل غير رأس الجمل وغير رأس بني آدم وغير رأس الإبرة، مختلفة، كلها حقائق؛ ودعوى: إن الحقيقة واحدة ما خالف تلك الحقيقة كلها مجاز باطلة هذه، بل هذه كلها حقائق ثابتة.
الشاهد: قوله: (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات ) )أي: على ظاهرها كما يليق بالله ـ تعالى ـ، (( واعتقاد أنها مخالفة لصفات الخلق ) )لأننا ـ كما تقدّم غير مرّة ـ: الاشتراك لا يحصل أبدًا بين الخالق وبين المخلوق في الصفات بعد الإضافة؛ هذه قاعدة سجِّلوها عندكم: الصفات التي في اللفظ متّفقة، صفات الخالق التي تتّفق ـ أو توافق ـ صفة المخلوق في اللفظ كالسمع والبصر والعلم ـ مثلًا ـ هذا الاشتراك إنما هو في اللفظ وفي المعنى العام، أو بعبارة أخرى: في المطلَق الكُلِّي قبل الإضافة، الاشتراك في المطلق الكلي قبل الإضافة، أي: قبل إضافة صفة الله إلى الله وصفة المخلوق إلى المخلوق، وبعد الإضافة لا يحصل اشتراكٌ مطلقًا. نحمل على هذا المعنى قول المعلِّق وهو يحكي كلام المؤلِّف: (( وإنما يجب إثبات هذه الصفات واعتقاد أنها مخالفة لصفات الخلق ) )في الحقيقة والكُنْه أي بعد [إضافة] صفات الخالق إلى الخالق وصفات المخلوق إلى المخلوق.
الذي يظهر لي أنا ـ المفاهيم تختلف ـ: إن السياق يدلُّ إنّ هذه العبارة الأخيرة حكايةٌ لكلام الشيخ، وليس هذا كلام المؤلِّف أوّلًا: السياق، وثانيًا: نعرف المعلِّق أنه قريب عهدٍ بهذه العقيدة والمسألة هذه دقيقة، لعله لم يحقِّق بعدُ هذه المسألة إن كان لا يزال حيًّا، نرجو أن يبلُغه شيءٌ من ذلك أو يطّلع على شيء من ذلك، ويحقِّق أكثر فأكثر، حتى نعلم بأنه موافقٌ للمؤلِّف ـ والله أعلم ـ.
وبعد:
مرّة أخرى: (( ولا قدره حقّ قدره من نفى رحمته ورضاه وغضبه وحكمته مطلَقًا ) ). هامش رقم واحد: قال المعلِّق: (( هؤلاء هم الفلاسفة القائلون: إن الله خلق العقول العشرة وتركها تؤثِّر في الكون؛ فكلُّ ما يحدُث في العالم مفعولٌ لله [تعالى] بواسطة هذه العقول؛ وهذا يؤدِّي إلى عدم الحكمة والاختيار ) )بأن الله ليست له حكمة ولا اختيار (( لأن الحوادث والأفعال تحدُث عن العقول صدورًا آليًّا ـ كما يقولون ـ ) )؛ وقد أبعد النَّجْعة المعلِّق: ليس هذا كلام الفلاسفة، هذا كلام الأشاعرة: نفيُ هذه الصفات ـ المحبة والغضب والحكمة ـ هذه عقيدة الأشاعرة، وإنْ كان يجوز أنهم يتّفقون مع الفلاسفة، لكن ينبغي أن يبيِّن حقيقة القوم الذين نعيش وسطهم؛ نحن إنما ندرس لنعرف عقيدة الناس الحاضرين الذين نعيش وسطهم، هذه عقيدتهم، هذه عقيدة الأشاعرة، ليستْ عقيدة الفلاسفة فقط، لا.
(( وحقيقة فعله ) ). ينفون حقيقة فعله: إنّ فعله ليس بحقيقة. أما هذه الجملة الأخيرة ـ (( وحقيقة فعله ) )ـ يمكن أن يُقال إنها عقيدة الفلاسفة.
(( لم يجعل له ) )هذا المؤوِّل الذي لم يقدِّر الله حقّ قدره سواءٌ كان أشرعيًّا أو فيلسوفيًّا (( فعلًا اختياريًّا، بل أفعاله منفعلةٌ عنه ) )معنى (( منفعلة ) ): أنها تصدُر بغير قصدٍ منه وبغير اختيار. والجملة هذه ـ أيضًا ـ راجعة للفلاسفة؛ الأشاعرة ليسوا كلامهم صريح في هذا، إلا إذا كان من باب الإلزام.
الفرق بين الفعل وبين الانفعال: للعبد فعل اختياري يسمّى فعله، وله فعلٌ اضّطراريّ وهو انفعال؛ ما يصدر من الإنسان من دون اختياره كالموت، الموت صفة قائمة بالإنسان هل هو فعله؟، لا، انفعال، لأن الله هو الذي أماته، ليس له اختيار في الموت، لو كان الإنسان له اختيار ما يموت؛ كذلك كالذي ـ مثلًا ـ يُرمى من شاهِق حتى يصل إلى الأرض فيموت فيتكسّر، وكاليد المرتعشة هذه انفعالات أفعال انفعالية، ليستْ أفعال اختياريّة.
(( ولا قدره حق قدره من جعل له صاحبةً وولدًا، وجعله يَحُلُّ في مخلوقاته، أو جعله عيْن هذا الوُجود ) ). جعله يَحُلُّ في مخلوقاته سواءٌ كان في جميع المخلوقات أو في بعض المخلوقات؛ المعروف: أنّ بعضهم قد يجعله حالاًّ في بعض المخلوقات كزعم النصارى أنه حالٌّ في عيسى، واعتقاد بعض غُلاة أتباع الصوفية أنه يَحُلُّ في مشايخهم الواصلين إلى الله ـ بزعمهم ـ. أو جعله عين هذا الوجود؛ الحلول أخف من الاتّحاد، هؤلاء وحدة الوجود، العقيدة الأخيرة: عقيدة وحدة الوجود، والعقيدة الأولى: عقيدة الحلوليِّين؛ أما الحلول يمكن أن يطبَّق على كلِّ من يقول: إن الله ـ تعالى ـ في كلِّ شيء، هذه عقيدة الحُلول، وإنْ كانت الأشاعرة لَمّا تقول هذا الكلام لا يعتقدون أنهم حلوليِّين، ولا يعترفون بذلك، ولكن يلزمهم ذلك: إذا قالوا في كل شيء، داخلٌ في كل شيء، وفي كل مكان هذا حُلول لا يليق بالله ـ تعالى ـ {وما قدروا الله حقّ قدره} ، وهنا أماكن يُستحيى ذكره مع ذكر الرب ـ سبحانه وتعالى ـ، والإنسان نفسه يترفّع أن يكون في ذلك المكان، لكن ذلك المكان داخلٌ في عموم (في كل شيء) .
وأما الاتّحاد كأنْ يقال: إنّ الله اتّحد مع خلقه جميعًا ليس مع أفراد خلقه مع الخلق جميعًا، أي: نفيُ الاثنينيّة، لا يوجد في الكون اثنان، إنما هو شيءٌ واحد، والقول بخالق مخلوق عابد معبود شكلي، في الحقيقة لا يوجَد خالقٌ ومخلوق أو عابدٌ ومعبود الكلُّ واحد، الكلُّ من عين واحدة، بل عينٌ واحدة، كلُّ الكون عينٌ واحدة.
يُستحسن لطلاّب العلم الآن خصوصًا الطلاّب الذين نضِجوا ـ أو قرُبوا من
النضج ـ أن يطّلعوا على (( فُصوص الحكم ) )و (( الفتوحات المكيّة ) )لابن عربي، أو يتأمّلوا في (( التائيّة ) )لابن فارض؛ هذه الكتب موجودة، وهؤلاء من أقطاب وحدة الوجود
ـ خصوصًا: ابن عربي شيخهم وسيّدهم ـ؛ و (( التائيّة ) )ـ تائيّة ابن فارض كما يعلم بعض الشباب ـ في بعض الأقطار تُقرأ كالوِرْد وخصوصًا في مجالس الذكر، يتلذّذون بها، ويطربون عندما يقرأون، ولا يدرون عن الكفر البواح التي تحمله تلك الأبيات:
ولي صلوات بالمقام أُقيمها ... وأشهد فيها أنها ليَ صلّت
هكذا يقول ابن الفارض:
لها صلوات بالمقام أُقيمها
يعني: لنفسه
وأشهد فيها أنها ليَ صلّت
نفسه صلّت له، نفسه إنما صلّت له، لأنه هو الله شيءٌ واحد.
هذا البيت حفظته من الذين يقرءون في مجالس الذكر، يكرِّرون، كنا طلاّبًا نسكُن قربهم، كل ليلة جمعة يجتمعون فحفظت بعض الأبيات من كثرة ما يكرِّرون ونحن جيران نمرُّ بهم ويمروا بنا ـ الله المستعان، الحمد لله على نعمة الإسلام ـ.
قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( ولا قدره حقّ قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأعداء أهل بيته وجعل فيهم الملك ووضع أولياء رسوله وأهل بيته؛ وهذا يتضمّن غاية القدْح في الرب ـ تعالى الله عن قول الرافضة ـ ) ). هؤلاء في زعمهم: كان المفروض بعد النبوّة أن تستمرّ الخلافة في آل البيت، وبعد انتهاء مدّة الخلافة الملك
ـ أيضًا ـ يجب أن يستمر فيهم، اقتراح، يقترحون على الله ويُلزمونه؛ ما أشبه اقتراحهم باقتراح كفّار قريش: {لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} هذا اقتراح؛ كفّار قريش ما رضوا أن تكون النبوة والرسالة والوحي لمحمد، قالوا لا، هذا غير صحيح، المفروض أن تكون هذه الرسالة والنبوة لأحد رجلين: إما رجل عظيم بمكة أو رجل عظيم بالطائف؛ ما رضوا قسمة الله، لكن انظروا كيف ردّ الله عليهم: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسَمْنا بينهم معيشتهم ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات ليتّخذ بعضهم بعضًا سُخْريًّا ورحمة ربك خيرٌ ممّا يجمعون} هكذا ردّ الله عليهم؛ إذا كان حالة المعيشة حياتكم نحن الذي قسمنا ونظّمنا وجعلنا الناس طبقات ليسخِّر بعضهم بعضًا ويستخدم بعضهم بعضًا بذلك تقوم الحياة؛ لو كانت الناس كلها طبقة واحدة لا تستقيم الحياة أبدًا، لا بد من وجود طبقة غنيّة، طبقة تليها، طبقة فقيرة، طبقة تحتها لاصقة بالتراب، لا بد من وجود هذا، هذا نظام رب العالمين؛ لو كانت الناس كله (شِرْبَتْلي) من أين لهم السوّاقون والفرّاشون والخدم والكُتّاب والمحاسبون من أين لهم؟، لا يوجد، لا تستقيم الحياة أبدًا؛ (شِرْبَتْلي) جالس في مكان واحد أمواله تشتغل في أماكن كثيرة، هذا مثال، هذا تنظيم من رب العالمين؛ الذي يحاول أن يغيِّر هذا النظام، ويجعل الناس كلهم طبقة واحدة ـ (شِرْبَتْلي) ـ لا يمكن أن تستقيم الحياة أبدًا؛ هكذا حاولت الاشتراكيّة أول ما وفدتْ على (مصر) وجدتْ بلدًا غنيًّا أثرياء، أثارت الفقراء ضدّ الأثرياء، زعم الفقراء أنهم سوف يكونون مثل هؤلاء الأغنياء تمامًا، قالوا نرفع درجاتكم إلى درجة الأغنياء، صفّقوا، وهَتَفوا، وأخيرًا: نزّلوا الأغنياء وجعلوهم فقراء وسلبوا الأموال؛ لم يستطيعوا أن يجعلوا الناس طبقة واحدة، لا يمكن، مستحيل.
هذا الاقتراح من الروافض مثل اقتراح كفّار قريش تمامًا؛ قالوا: لا يجوز ما دام بدأت النبوة في آل محمد - صلى الله عليه وسلم - يجب أن تستمرّ الخلافة فيهم، بل غُلاة الروافض قالوا: الرسالة نفسها ليستْ لمحمد الرسالة لعلي، ولكنّ جبريل غلِط ونزل على محمد، غلط، أوحى إلى محمد، كانت الرسالة الأولى أن تكون لعلي؛ فإذا فاتتْ هذه لا ينبغي أن يفوته ما بعده: الخليفة الأول يجب أن يكون عليّ، ثم تستمرّ في آل البيت؛ وجعلوا النبوّة والخلافة والملك في غير آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ضمنٌ.
من زعم هذا الزعم واقترح على الله هذا الاقتراح وظنّ هذا الظن لم يقدِّر الله حقّ قدره؛ يعني: معاداتهم لبني أُمية لهذا الغرض: لماذا تحوّلت الخلافة والملك في بني أمية وهم أعداء ـ في زعمهم ـ آل البيت؛ وهذه العداوة هم الذين اختلقوها وسبّبوها؛ الروافض من أشرِّ خلق الله؛ هذه عقيدتهم.
قال المؤلِّف ـ رحمه الله ـ: (( وهذا مشتقٌّ من قول اليهود والنصارى ) ). المقارنة بين اليهود وبين الروافض مقارنة سليمة علميّة، ألفّ في ذلك بعض زملائكم رسالة ماجستير وكنت أنا المشرف عليها، وُفِّق فيها، بيّن تمامًا وجه المقارنة ـ وجه الشبه ـ بين اليهود وبين الروافض؛ ولعلها تُطبع ليستفيد منها طُلاّب العلم.
هؤلاء نسخة طِبْق الأصل من اليهود.
(( في قولولـ [هم في] رب العالمين: إنه أرسل ملِكًا ظالمًا ) ). لم يؤمنوا بالنبوّة، عادوا الأنبياء، قتلوا من قتلوا واتّهموا من اتّهموا بأنه ملكٌ ظالم (( فادّعى النبوة وكذب على الله، ومكث زمنًا طويلًا يقول: أمرني [ربي] بكذا ونهاني عن كذا، ويستبيح دماء أبناء الله وأحبّائه ) )يعني: هذا يحكي كلامهم هم الذين قالوا هذا الكلام؛ وينسخ الشرائع، ويقتِّل، ويستبيح الدماء. هذا الكلام بالمعنى موجود في (( الطحاوية ) )في مبحث النبوّة، أنّ إنكار نبوّة رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ طعنٌ في الرب؛ عندما يُنكر الإنسان نبوّة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوّة جميع الأنبياء يطعنون في الله من حيث لا يشعرون؛ يأتي نبيٌّ من الأنبياء ويقول أنا نبي، ويُشَرِّع يقول لهم هذا حلال وهذا حرام، ويقاتل من خالفه، وينسخ الشريعة بالشريعة، فيدعوا اليهود والنصارى إلى أن يتّبعوه، وهكذا على معرفتكم بتفاصيل دعوة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ إذا كلُّ ذلك يقع بدون أمرٍ من الله والله يشاهده ويراه ويسمع ويقرُّه على ذلك، بل يؤيِّده بالمعجزات، يؤيِّد ملكًا ظالمًا يقتِّل ويشرِّع وهو يؤيِّده على ذلك؛ إذًا في هذا طعنٌ في الرب ـ سبحانه وتعالى ـ أو إنه غير موجود.
هكذا ادّعت اليهود في الأنبياء وزعموا هذا الزعم، وأخذت الرافضة هذه العقيدة من اليهود.
(( والرب ـ تعالى ـ يُظهره ويؤيِّده، ويُقيم الأدلة والمعجزات على صدقه، ويُقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه ) )يجعلهم يطيعونه ويصدِّقونه، (( ويُقيم دولته على الظهور والزيادة، ويُذِلُّ أعدائه أكثر من ثمان مائة عام ) )وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كلّ ذلك في نحو ثلاثٍ وعشرين سنة، والأنبياء من قبل في هذه المدَد الطويلة؛ إذًا: من يتّهم الأنبياء بأنهم ملوك ظالمين ـ ليسوا حتى الملوك العادلين، بل من الملوك الظالمين ـ إنما لعدم تقدير الله حقّ قدره: طعنٌ في الرب ـ سبحانه وتعالى ـ أو إنكارٌ لوجوده ـ تعالى ـ.
يقول المؤلِّف: (( فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين سواء ) ). أعود مرّة أخرى وأنصح الشباب بقراءة زميلكم: إبراهيم الرحيلي، لعلها فيما بلغي قُدِّمتْ للطبع، إذا طبعت، رسالة مفيدة في هذه النقطة فيما أعلم لا مثيل لها حسْب علمي.
(( ولا قدره حقّ قدره من زعم أنه لا يُحيي الموتى ولا يبعث من في القبور ليبيِّن لعباده الذي كانوا فيه يختلفون وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) ).