فهرس الكتاب
وبالجملة: فهذا بابٌ واسع. والمقصود: أنّ كلَّ من عَبد مع الله غيره فإنما عَبد شيطانًا قال ـ تعالى ـ: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} ؛ فما عبد أحدٌ أحدًا من بني آدم كائنًا من كان إلا وقد وقعتْ عبادته للشيطان؛ فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله ـ تعالى ـ؛ وذلك غايةُ رضى الشيطان؛ ولهذا: قال ـ تعالى ـ: {ويوم نحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أي: من إغوائهم وإضلالهم، {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلْت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء الله إنّ ربك حكيم عليم} [1] .
(1) قال المؤلِّف ـ الإمام المقريزي ـ: (( وبالجملة: فهذا بابٌ واسع ) )باب من لا يقدِّر الله حقّ قدره ومن يقدِّره حق قدره، وأنواع الشرك، وأنواع العبادات هذا الباب بابٌ واسع.
(( والمقصود: أنّ كلَّ من عَبد مع الله غيره ) )سواءٌ كان المعبود ملَكًا أو نبيًّا أو وليًّا أو شجرًا أيًّا كان.
(( فإنما عَبد شيطانًا ) ). هذا الأسلوب ينبغي التفطُّن له: (إنما) للحصْر تُفيد أنه لم يعبد إلا الشيطان؛ يعني: تحليل هذه العبارة: لم يعبد إلا الشيطان؛ وهل الواقع هكذا ما عبد إلا الشيطان؟، الشخص الذي عبده، والضريح الذي سجد له والذي ذبح له والذي طاف به عبده؛ ما معنى قوله: (( فإنما عَبد شيطانًا ) ): إنما عبد شيطانًا في الدرجة الأولى أو بالقصْد الأوّل، بعد ذلك عبد الذي قصد عبادته من شجر أو حجر أو إنسان أو قبْر؛ وقعتْ عبادته أولًا للشيطان.
معنى عبادة الشيطان: طاعته؛ زيّن له عبادة القبر وعبادة شجر أو بقرة أو عبادة أيّ مخلوق فأطاعه، إذًا: أولُ من عُبد الشيطان في هذه القضية ثم عَبد الذي زيّن له؛ لا بد من هذا القيْد.
(( قال ـ تعالى ـ: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} ) )أي: أن لا تطيعوه؛ عبادة الشيطان ليس السجود للشيطان؛ الشيطان كلُّ الناس تكره حتى الكفار يكرهونه، ولكن يعبدونه وهم يكرهونه، لأنهم لا يعلمون معنى عبادة الشيطان، يحسبون عبادة الشيطان: السجود له دعوته والنذر له، هذا لا يقع لأنه شيطان والناس كلها تكره، لكن يقع الإنسان الجاهل في عبادة الشيطان بالطاعة، إذا أطاعه فقد عبده.
قال الإمام المقريزي: (( فما عَبد أحدٌ أحدًا من بني آدم ) )ومن غير بني آدم (( كائنًا من كان إلا وقد وقعتْ عبادته للشيطان ) )أولًا قبل أن يعبد الذي قصده بالعبادة ثم بعد ذلك يعبد المعبود.
(( فيستمع العابد بالمعبود في حصول غرضه ) ). يطلب منه غرضًا؛ إنما يعبده
لغرض: لطلب الصحة، لطلب سعة الرزق؛ قد يُستدرج من باب الاستدراج قد يحصل له ما يطلبه من هذا المعبود، وكثيرًا ما تطلب الناس في الجاهلية المطر من دَوْحة ـ شجرة كبيرة ـ يجتمعون تحتها فيطلبون منها المطر، من الشجرة، قد يرقى فوق الشجرة عِفريتٌ منه فيبول من فوق الشجرة على الناس، فينزل المطر حالًا؛ هذا وقع بالفعل، هذا يسمى استدراج، الله يستدرجهم ـ سبحان الله ـ، هذه واقعة بالفعل. هذا يستمع العابد بالمعبود؛ لأن هذه الشجرة هي مأوى للشياطين، وقد يسكن من يسمون بحُجُب في لغة بعض الناس في بعض الأقطار، هذا الحُجُب مأوى للشياطين، وقد يسكن بعض الدراوشة من شياطين الإنس يسكنون مع شياطين الجن في هذه الحُجُب وحول الأضرحة كالسدنة؛ هؤلاء يستمتعون بمن يعبدهم، والذين يعبدونهم يستمتعون بهم.
(( ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله ـ تعالى ـ؛ وذلك غايةُ رضى الشيطان ) ). الشيطان رضيَ إذا حصل هذا؛ إذا حصل من الإنسان أنه عظّم مخلوقًا وخاف من مخلوق وعبد مخلوقًا وأشرك بالله مخلوقًا رضيَ الشيطان؛ هذا هو الاستمتاع.
(( ولهذا قال ـ تعالى ـ: {ويوم نحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أي: من إغوائهم وإضلالهم {وقال أوليائهم من الإنس} ) )الذين عَبدوهم: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} الإنس استمتعوا بالجن والجن استمتعوا بالإنس {وبلغنا} جميعًا {أجلنا الذي أجّلت لنا} إلى الموت {قال النار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} قال الطبري: المراد بالاستثناء: الفترة فيما بين الحشْر عندما يُبعثون وبين دخولهم النار؛ هكذا قال الطبري.