فهرس الكتاب
[هنا نقص: شرحُ حوالي 12 صفحة غير موجودة في ضمن الأشرطة]
وهؤلاء هم أهل التعبُّد المطلق؛ والأصناف التي قبلهم أهل التعبُّد المقيّد؛ فمن خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلّق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وزل عن عبادته فهو يعبد الله ـ تعالى ـ على وجهٍ واحد.
وصاحب التعبُّد المطلق ليس له غرض في تعبُّدٍ بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبُّع مرضاة الله ـ تعالى ـ: إنْ رأيت العلماء رأيته معهم، وكذلك في الذاكرين، والمتصدِّقين، وأرباب الجمعيّة وعُكوف القلب على الله.
فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله بكلِّ طريق والوافد عليه مع كلِّ فريق [1] .
(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وهؤلاء هم أهل التعبُّد المطلق ) )هؤلاء الصنف الثالث الذين لا يتقيّدون بعبادة معيِّنة أو بحالة معيَّنة أو بوقت معيّن وبمكان معيّن، إنما يتتبّعون مرضاة الله ـ تعالى ـ، سواءٌ كانت العبادة قاصرةً أو متعدِّية طالما هناك مرضاة الله ـ تعالى ـ، يتتبّعون مرضاة الله؛ هؤلاء هم أهل التعبُّد المطلق، لم يقيِّدوا أنفسهم؛ لأن العبد طالما هو عبدٌ لله لا يجوز أن يقيِّد نفسه أو يتقيّد بعبادة لم يُقيَّد بها شرعًا وبحالة لم يقيَّد بها أو بمكان لم يقيَّد بها.
(( والأصناف التي قبلهم أهل التعبُّد المقيِّد ) )هم الذين قيّدوا أنفسهم، لم تقيِّدهم الشريعة.
(( فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلّق به ) ). اختار ـ مثلًا ـ الصيام ـ فرعٌ من فروع العبادة ـ (( وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته ) )بمجرّد تركه لفرع من الفروع؛ لكن أصحاب التعبُّد المطلق إذا تركوا هذا الفرع لينتقلوا إلى فرعٍ آخر نادى منادي الجهاد ولبّى وترك إتمام الصلاة وترك قيام الليل وترك الصيام لأجل الجهاد، فهو متتبِّعٌ لمرضاة الله لا يرى في ذلك غضاضة، لكنّ الذي يتعبّد بعبادة مقيّدة
ـ قيّد نفسه ـ ربما يعتذر عن الجهاد يقول: لا، أنا أواصل الصيام، الجهاد يمنعني عن الصيام فيعتذر، هذا خطأ.
(( فهو يعبد الله ـ تعالى ـ على وجهٍ واحد ) )وفي حالة واحدة معيّنة.
(( وصاحب التعبُّد المطلق ليس له غرضٌ في تعبُّد بعينه ) )لأنه يرى من فقهه أنه لا يجوز له أن يقيِّد نفسه من عند نفسه لا بزمان ولا بمكان ولا بحال ولا بفرعٍ معيّن، لا يرى ذلك، يؤثره على غيره.
(( بل غرضه: تتبُّع مرضات الله ـ تعالى ـ ) )حيث ما توجَد مرضات الله يتتبّع.
(( إنْ رأيت العلماء رأيته معهم ) )يؤدِّي ما يؤدِّي العلماء من نشر العلم ونُصح الناس والبيان إنْ كان من أهل العلم.
(( وكذلك في الذاكرين ) )إذا وجدت الذاكرين الذين يذكرون الله ـ تعالى ـ يتلون كتاب الله ويتذاكرون فيما بينهم ماضي حياتهم ـ كما كان الصحابة يفعلون: كنا كذا وكذا أخرجنا الله إلى هذا النور ـ هذا من ذكر الله.
ليس المراد بذكر الله ذكر الصوفية: مجالس يسمونها مجالس الذكر، يجتمعون فيه على الأذكار المبتَدعة، كأن يذكروا الله ـ تعالى ـ بلفظ الجلالة أو بضمير هو؛ إذا قيل: مجالس الذكر عند الصوفية هو هذا المجلس؛ هذا خطأ، تصوُّرٌ خاطئ؛ ويعيبوا على من لا يحضر هذه المجالس قالوا: هذا من الجُفاة لا يحضر مجالس الذكر؛ وإنْ حضرتَ
ماذا تسمع؟،: (الله، الله، الله) ، وربما يزيدوا إذا نشطوا كثيرًا: (اللحْ، اللحْ، اللحْ)
ـ يحوِّلوا الهاء إلى حاء ـ: (حالله، حالله، حالله) ؛ ناسٌ كبارٌ بهيئتهم يفعلوا هذا الفعل؛ وهذا يسمونه ذكر الخاصة؛ والذكر الذي سمّاه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أفضل الذكر: (( أفضلُ ما قتله أنا والنبيُّون قبلي:(لا إله إلا الله) ... ))إلى آخره؛ هذا الذكر عند الصوفية يسمونه ذكر العامّة، يعني: يترفّعون عن هذا الذكر إذا وصلوا إلى درجة من الدرجات ـ في زعمهم ـ؛ عندما يبدأ الذاكر بذكر يبدأ بذكر العامّة، ثم ينتقل من ذكر العامّة إلى ذكر الخاصّة بأن يقتصر على لفظة الجلالة مع التحريف ـ أحيانًا ـ، ثم ينتقل من ذكر الخاصة إلى ذكر خاصّة الخاصّة: ذكرُ الله ـ تعالى ـ بضمير الغيبة:
(هُوَ، هُوَ) ، (يا من لا هو إلا هو) ؛ (هُوَ) ليس من أسماء الله ـ تعالى ـ، (هو) ضمير الغيبة يصلُح لأيِّ أحد: هو هذا، هو ذاك، حتى الجمادات تقول له: هو؛ ليس من أسماء الله ـ تعالى ـ؛ لكنّ القوم حرّفوا تحريفًا في باب العبادة، جعلوا لفظ الجلالة اسمًا من أسماء الله ـ تعالى ـ بل من أفضل الأسماء حيث جعلوا ضمير الغيبة (هو) ذكر خاصة الخاصّة؛ يقيِّدون أنفسهم بهذا.
وعندما يقول الشيخ: (( وكذلك في الذاكرين ) )عند الصوفية هذا هو المراد: مجالس الذكر؛ لكنّ الذاكرون عند أهل السنة والجماعة: التّالون لكتاب الله من أفضل الذاكرين لأن القرآن أفضلُ الذكر، وكذلك الذين يذكرون الله ـ تعالى ـ بالأذكار المأثورة كالتهليل والتحميد والتسبيح والاستغفار والصلاة على النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يجلسون مجالسهم بعد صلاة الفجر ـ مثلًا ـ يذكرون الله ـ تعالى ـ بهذه الأذكار تراه معهم، فهو من هذا الصنف؛ ليس معنى ذلك يختلط بهم ويجلسون جلسة خاصّة بذكر جماعي لا، غيرُ وارد.
(( والمتصدِّقين ) )وإذا رأيت المتصدِّقين رأيته مع المتصدِّقين إنْ كان من أصحاب المال يتصدّق من ماله وإلاّ يتصدّق بالتسبيح والتكبير والتهليل، هذه من الصدقة؛ صدقة
الفقراء: ذكرُ الله ـ تعالى ـ.
(( وأرباب الجمعية وعُكوف القلب على الله ) )هذا التعبير في النفس منه شيء: جعل الجمعية قسمًا مستقلاًّ؛ لا، ليستْ هناك جمعية مستقلّة، هذا ليس بسليم، بل الجمعية تلازِم الإنسان الذي يراقب الله ـ تعالى ـ، الجمعية تلازمه في كلِّ عمله: وهو يقرأ القرآن، وهو يطلب العلم، وهو يعلِّم، وهو يصلي، وهو يجاهد، فهو في جمعيّته؛ لأن الغرض من الجمعية: جمعُ القلب على الله، ومعنى جمع القلب على الله: مراقبة الله
ـ تعالى ـ وعدم الغفلة، هذه حقيقة الجمعيّة.
إذًا: الجمعية ليستْ حالة مستقلة أو صورة مستقلّة من صور العبادة، بل الجمعية تلازم جميع العبادات.
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: (( فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله في كلِّ طريق ) )فهو يغذي نفسه وروحه وهو سائرٌ إلى الله في كلِّ طريق: إنْ تيسّر له الجهاد في الجهاد، إن تيسّر له طلب العلم النافع، تعليم العلم، القرآن، الصيام، الصلاة، الدعاء.
(( والوافد عليه مع كلِّ فريق ) ). يفد على الله مع الذاكرين، مع الصائمين، مع المصلِّين، مع المجاهدين؛ فهو موجود مع كلِّ فريق، لأنه لا يقيِّد نفسه بنفسه، الله لم يقيِّده بل وسّع عليه، وفتح عليه أبواب الخير أبواب العبادة.