فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 168

سأله واستعان به على ما لم يكن له عونًا على طاعته كان سؤاله مُبْعِدًا له عن الله؛ فليتدبّر العاقل هذا، وليعلم أنّ إجابة الله لسؤال بعض السائلين ليستْ لكرامته عليه بل قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه ويكون منعه منها حماية له وصيانة والمعصوم من عصمه الله والإنسان على نفسه بصيرة [1] .

(1) قال الإمام المقريزي رحمه الله ـ انتبهوا لهذه النقطة مهمة جدًّا ـ: (( واعلم: أنّ الناس في عبادة الله ـ تعالى ـ والاستعانة به أقسام ) ). العبادة والاستعانة على العبادة؛ في هذا الباب الناس أقسام: (( أجلها ) )ولعلّ تأنيث الضمير باعتبار معنى الجمع في الناس، أو أجلُّ تلك الطوائف (( وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة عليها ) )أفضل الناس وأجلُّ الناس، وأفضل هذه الأقسام، وأجلُّ هذه الأقسام من بني آدم ـ أو من الناس، أو من العباد ليدخل الجنس ـ: (( أهل العبادة وأهل الاستعانة عليها ) )الذين يعبدون الله ـ تعالى ـ وحده، ثم يستعينون بالله ـ تعالى ـ على هذه العبادة، ويعلمون أنهم لا حول لهم ولا قوّة، ولا يستطيعوا أن يعبدوا الله حقّ العبادة ويُخلصوا العبادة إلا بعونٍ من الله؛ يعبدون الله ـ تعالى ـ ويطلبون العون من الله؛ هذا الصنف وهذا القسم أشرف الناس وأفضل الناس وأجلُّ أقسام الناس.

(( فعبادة الله ـ تعالى ـ غايةُ مرادهم ) ). مرادهم في هذه الحياة: عبادة الله، ليكونوا عبيدًا له وحده، ليس فيهم شَرِكة، عبادًا صادقين ومخلصين.

(( وطلبهم منه ) )من الله ـ تعالى ـ (( أن يعينهم عليها ) )يجتهدون في العبادة بتوفيق الله ـ تعالى ـ، ثم يطلبون من الله أن يعينهم عليها، إذْ لا يستطيعون أن يعبدوا الله حقّ العبادة إلا بعون الله ـ تعالى ـ.

(( ويوفِّقهم للقيام بها نهاية مقصودهم ) ). هذا نهاية مقصودهم؛ غايةُ مرادهم: العبادة، ونهاية مقصودهم: طلب العون وطلب التوفيق.

(( ولهذا كان أفضلُ ما يُسأل الرب ـ تعالى ـ: الإعانة على مرضاته ) ). هذا أفضل ما يُطلب من الله: الإعانة على مرضات الله ـ تعالى ـ على ما يرضي الله.

(( وهو الذي علّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل فقال: (( يا معاذ والله إني أحبك ) ))) هذا التوكيد في الجملة الاسمية أولًا بالنداء ثم القسَم ثم (إن) التي للتوكيد: (( يا معاذ ) )هذا النداء لإثارة انتباهه لينتبه، ثم قال: (( والله ) )أقسم بالله، وأكّد الجملة التي بعد القسم: (( والله إني أحبك ) )؛ هذه المقدِّمة تجعل الإنسان ينتبه كلَّ الانتباه؛ ماذا يقول له

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

(( فلا تدع أن تقول في دُبُر كلِّ صلاة:(اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكْرك وحُسْن عبادتك ) ). دعاءٌ جامع؛ والذي أَمر به معاذ نحن مأمورون به، أي: مشروع ومطلوب من كلِّ مُصَلٍّ أن يقول بعد كلِّ صلاة ـ دُبُر كلِّ صلاة ـ: (( اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) )؛ الذكر يشمل ذكر القلب وذكر اللسان، وإنما يكون الذكر نافعًا إذا كان جامعًا بين القلب وبين اللسان، أو ـ الدرجة الثانية ـ: ذكر القلب؛ أما ذكر اللسان تكرار عبارة لا يعقل ولا يحضِّر قلبه تجري على لسانه هذا ذكرٌ غيرُ نافع؛ إنما يكون الذكر نافعًا إذا ذكرت الله بلسانك وقلبك، أو بقلبك؛ جالسٌ مع الناس وأنت في عملك تستحضر عظمة الله وإنعامه عليك ... ؛ هذا ذكر.

ليس الذكر مجرّد ألفاظ يكرِّرها الإنسان؛ التذكُّر أن لا تكون غافلًا عن الله، وأن تكون حاضرًا، ويكون الرب ـ سبحانه وتعالى ـ ... ؛ هذا ذكر القلب؛ وإذا اجتمع معه ذكر اللسان فقد كمُل؛ ولكن ذكرُ اللسان وحده قد تكون له آفة وربما ـ كما يقول بعض أهل العلم ـ: الاستغفار من الغافل ربما يحتاج إلى استغفار ... أن يستغفر على غفلته؛ كيف يذكر اسم الله ويقول: استغفر الله، رب اغفر لي وهو غافل؟، كالمستهزئ ـ الله المستعان ـ.

هذا يُدركه من رزقهم الله ـ تعالى ـ قلبًا حيًّا.

قال الإمام المقريزي: (( فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته ـ تعالى ـ ) )لأنك بهذا تُظهر فقرك، بأنك فقيرٌ محتاجٌ إلى الله، لا تستطيع أن تعبده وتأتي بمرضاته إلا بتوفيقه ـ إلا به ـ؛ أنت بالله وحده؛ إذا أدركت هذا المعنى ووصلت إلى هذه الدرجة وأنت على خير.

لذلك: هذا الصنف من أشرف أقسام بني آدم وأفضلهم.

ثم قال الإمام المقريزي: (( ويقابِل هؤلاء القسم الثاني المعرِضون عن عبادة الله والاستعانة به؛ فلا عبادة لهم ولا استعانة ) )يعيشون في هذه الحياة حياةً تُشبه حياة الحيوان: التمتُّع بالمأكولات والمشروبات وما يتبع ذلك من ملاذ الحياة لا عبادة ولا استعانة.

(( بل إنْ سأله ـ تعالى ـ أحدهم ) )أحدٌ من هؤلاء الغافلين المعرضين (( واستعان به فعلى حظوظه وشهواته ) )إنْ تصدّق يتصدّق ليوسِّع الله عليه في رزقه ويحفظ له أولاده، إن طلب الدعاء من أحد يقول: ادع الله لي، فيطلب منه أن يدعوَ الله له في مصالحهه الدنيوية، وإن طلب هو من الله إنما يطلب شيئًا من حظِّ الدنيا؛ ليس هو العبادة، ولا هو طالب العون من الله ـ تعالى ـ؛ إذًا: معرضٌ عن الله ـ تعالى ـ كلَّ الاعراض.

(( والله ـ سبحانه وتعالى ـ يسأله من في السموات والأرض، ويسأله أولياؤه وأعداؤه فيُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء ) ). رحمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه الدنيا يتمتّع بها الكافر والمسلم جميعًا؛ ما نراه من سعة الزرق والسلامة وطيب الحياة للجميع للكفّار والمسلمين أثرٌ من آثار رحمة الله ـ تعالى ـ؛ الكلُّ يتمتّع برحمة الله ـ تعالى ـ في هذه الدنيا، الكلُّ يطلب طلبه يعطي ـ إنْ شاء ـ طلبه سواءٌ كان من أوليائه أو من أعدائه؛ بمعنى: كونُ الإنسان يطلُب طلبًا فيُجيب الله دعوته فيُعطيه طلبه ليس دليلًا على أنه من أولياء الله ـ تعالى ـ.

(( وأبغض خلق الله إبليس ومع هذا أجاب الله سؤاله ) )لَمّا طلب منه المُهْلة، (( وقضى حاجته ) )ومتّعه في هذه الدنيا.

(( ولكن لَمّا لم تكن عونًا على مرضاته كانتْ زيادةً في شِقْوته وبُعده ) )فهذا النوع يسمى استدراجًا؛ الله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول بعضُ السلف: إذا أنعم الله على العبد ووسّع عليه وهو مقيمٌ على المعصية فليخف بأن هذا استدراج؛ ليستْ نعمة ولكنها نقمة، استدراج من الله، يستدرجهم ليزدادوا ضلالًا على ضلال، ويزدادوا بذلك بُعدًا من الله

ـ تعالى ـ؛ هكذا ينبغي أن ينتبه الإنسان لنفسه ... فكلُّ إنسان يراجع نفسه: هل مع هذه التوسعة نحن على مرضاة الله فيكون هذه التوسعة وهذا العطاء نعمة من الله

ـ تعالى ـ وعونًا منه على طاعته؛ وإنْ كانت الأخرى كأن يكون الإنسان معرِضًا مقيمًا على البدع وعلى المعاصي ... الله يوسِّع عليه، فليُدرك بأنه مستدرج.

(( وهكذا كلُّ من سأله ـ تعالى ـ واستعان به على ما لم يكن عونًا له على طاعته كان سؤاله مُبْعِدًا له عن الله [تعالى] ) )وهذا ... الاستدراج (( فليتدبّر العاقل هذا ) )العاقل ينظر ويراجع صفحات أعماله ... أحسن حالًا من أغنى ـ أو من أوسط ـ سلفنا (كان قوت آل محمد كفافًا) ؛ عاش النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في هذه المدينة قد يحتاج إلى الطعام ولا يوجد في بيته، وقد يطلب ولا يجد، قد لا توقَد النار في بيته أيّامًا، وقد يكتفون بالأسودين الماء والتمر؛ قارنوا بين تلك الحياة وبين ما نحن فيه الآن، بين أقلِّنا حظًّا في الدنيا الآن؛ لذلك: كان بعض السلف إذا وسّع الله عليه يخشى أن تكون هذه نعمة معجَّلة يُحرم بها نعيم الآخرة؛ ونحن أولى بهذا الخوف؛ أولئك ... هو الذي حملهم على هذا ... أن تكون نعم معجَّلة تؤثِّر في حياة الآخرة ـ الله المستعان ـ.

(( وليعلم: أن إجابة الله لسؤال بعض السائلين ليستْ لكرامته عليه ) )كما تقدّم في قصة إبليس (( بل قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه ) )يجعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ قضاء حاجته سببًا لهلاكه، (( لا يهلك على الله إلا هالك ) ).

(( ويكون منعه منها ) )من حاجته، إذا أراد الله به رحمة (( حمايةً له وصيانة ) )والعبد لا يعلم؛ لذلك: شُرعت الاستخارة، لأنك لا تعلم الشيء الذي تريد [أن] تفعله أو لا تريد لا تدري ما الخير، شُرعتْ لنا الاستخارة لتطلب الخير من الله، لأنك لا تعرف، ولذلك نهينا عن تمنِّي الموت، وإنما تطلب إنْ كانت الحياة خيرًا لك أن يحييك وإنْ كانت الوفاة خيرًا أن يميتك، لأنك لا تدري عن العاقبة.

ولذلك: هذه النقطة: (( قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه، ويكون منعه منها حمايةً له وصيانة ) )ولكنّ العبد لجهله ربما يتضايق أنا يا رب طلبت منك الحاجة الفلانية والطلب الفلاني لم أُعط، قد يتضايق.

(( والمعصوم من عصمه الله ـ تعالى ـ والإنسان على نفسه بصيرة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت