فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 168

وتأمّل قوله ـ تعالى ـ: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} مع

قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله ) )تجد الآية تدلُّ على أنّ الجِنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافيَ بينهما: لأن توارد النفي والإثبات ليس على محلٍّ واحد: فالمنفي (باء الثمنية) واستحقاق الجنة بمجرّد الأعمال ردًّا على القدرية المجوسية التي زعمتْ أنّ الفضل بالثواب ابتداءً متضمِّنٌ لتكدير المنّة؛ والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي (باء السببية) ردًّا على القدرية الجبرية الذين يقولون لا ارتباط بين الأعمال وجزائها ولا هي أسبابٌ لها وإنما غايتها أن تكون أَمَارة.

[والسنة النبوية هي] [1] عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسبَّبات وارتباطها بها.

(1) من قوله: (( السنة النبوية ... ) )إلى قوله: (( وارتباطها بها ) )قوِّس عليها؛ هذا كله من تصرُّف النُّسّاخ.

قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وتأمّل قوله ـ تعالى ـ ) ). هذا إجابة على شُبهة القدرية؛ بدأ الشيخ يجيب على شبهة القدرية الذين يستدلُّون بالآيات على مذهبهم.

{وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} تأمل هذه الآية وقارن (( مع

قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله ) ))) . هنا (باء) وهناك (باء) (( تجد الآية تدلُّ على أنّ الجِنان بالأعمال ) )دخول الجِنان بالأعمال، (( والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال ) )وكيف التوفيق بينهما؟، يقال: (( لا تنافيَ بينهما لأنّ توارُد النفي والإثبات ليس على محلٍّ واحد ) )أي: النفي ينفي شيئًا والإثبات يُثبت شيئًا آخر غير ما نفى الحديث؛ الحديث نفى شيئًا والآية أثبتت شيئًا غير الذي نفاه الحديث؛ بيان ذلك: (( فالمنفيُّ:(باء الثمنية ) )) وتسمى (باء المقابَلة) وتسمى (باء العِوَض) ؛ أي: لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، أي: أنّ أعمالكم لا تكون ثمنًا أو عِوضًا أو مقابِلًا للجزاء لأنها أصغر من ذلك بكثير، وليستْ قدْرًا للجنة.

لَمّا قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ هذا الكلام قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: (( ولا أنا، إلاّ أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضل ) )؛ إذًا: دخول الجنة برحمة الله وفضله.

ومن رحمته: أن جعل الأعمال أسبابًا لدخول الجنة، أنْ وفّق العباد إلى الأعمال فقبلها منهم وجعلها أسبابًا موصِلةً إلى الجنة، هذا كله رحمةٌ وفضل، وليستْ بثمن.

إذًا: الحديث إنما نفى الثمنيّة؛ الثمنية شيءٌ والسبب شيءٌ آخر؛ والآيات الكثيرة التي تقدّمت أثبتت السببية أن الأعمال أسبابٌ موصِلةٌ إلى الجنة؛ هذا صحْ وهو الواقع؛ ونفى الحديث الثمنية والعِوضية والمقابلة هذا صحيح، بمعنى: ليس بواجب على الله ـ تعالى ـ أن يُدخل العباد الجنة بهذه الأعمال بحيث تكون الأعمال أثمانًا للجنة وبحيث لو لم يدخلهم الجنة يكون ظالمًا لهم؛ هذا هو الخطأ الفاحش الذي ارتكبتْ هذه الطائفة.

إذًا: لا منافاة بين نفي الحديث (باء الثمنية) وبين إثبات الآيات (باء السببية) .

قال الشيخ: (( واستحقاق الجنة بمجرّد الأعمال ) )هذا هو المنفي؛ كلُّ ذلك (( ردًّا على القدرية المجوسية التي زعمتْ أنّ الفضل بالثواب ابتداءً متضمِّنٌ لتكدير المنّة ) )لو كان الثواب فضلًا من الله ـ تعالى ـ ابتداءً بدون عمل ذلك يتضمّن لتكدير المنّة؛ المنّة مكدِّرة للعبد، ولا يتحمّل المنّة؛ فلتكن الأعمال أثمانًا لأن لا يقع العبد تحت المنّة؛ وقَبول الأعمال على أساس أنها أثمان يقضي على هذه المنّة التي تكدِّر على العبد.

(( والباء المثبَتة التي وردتْ في القرآن هي باء السببيّة ) )أي: دخول الجنة بسبب الأعمال؛ كما تقدّم: الله جعل لكل شيء سببًا، جعل لدخول الجنة أسبابًا، وجعل لدخول النار أسبابًا، وجعل للشقاوة أسبابًا، وجعل للسعاة أسبابًا.

هذا ـ جعل الباء سببيًّا ـ (( ردًّا على القدرية الجَبْرية ) )جمع بين الصفتين هنا: القدرية الجبرية؛ الجبرية تسمى قدرية لغلوّهم في إثبات القدر.

(( الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها ) )كما تقدّم لأنه يجوز عندهم: أن يعذِّب الله من أفنى عمره كله في الطاعة، ويُنْعم من أفنى عمره كله في المعصية.

(( ولا هي أسبابٌ لها، وإنما غايتها ) )إذا كان لا بد منها (( أن تكون أَمَارة ) )علامة فقط لتعلُّق الإرادة بذلك؛ ولكن إنما يُدخل الله من يريد الجنة بتعلُّق المشيئة بذلك، ويُدخل من شاء النار بتعلُّق المشيئة بذلك، لا ارتباط بين الأعمال وبين الجزاء البتّة.

(( والسنة النبوية: هي ) ). هنا الجملة هذه بعدما قوّستم عليها اكتبوا جملة ثانية

ـ جملة أخرى ـ بعد: (( وإنما غايتها: أن تكون أمَارة ) ): (( والذي يدلُّ عليه كتاب الله ـ تعالى ـ والسنة النبوية: أن عموم مشيئة الله وقدرته لا [تنافيان] ربط الأسباب بالمسبَّبات وارتباطها بها ) )هكذا في الأصل: (( والذي يدلُّ عليه كتاب الله ـ تعالى ـ والسنة النبوية: أنّ عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافيان ربط الأسباب بالمسبَّبات وارتباطها بها ) )اكتب في الهامش: كما سيأتي في صفحة 78 ـ في نسخة علي حسن ـ؛ هذا الكلام يأتي مفصَّلًا ـ إن شاء الله ـ.

(( وارتباطها بها ) )بل ذلك هو الجاري في سنن الله ـ تعالى ـ؛ لأنّ الله لم يخلق شيئًا إلا بسبب، وجعل لكل شيءٍ سببًا في أمور الدنيا والآخرة ـ كما هو معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت