فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 168

والطائفتان منحرفات عن الصراط المستقيم، وهو: أنّ الأعمال أسبابٌ موصلةٌ إلى الثواب؛ والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله، وليستْ قدْرًا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعتْ على أكمل الوجوه أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ فلو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكان رحمته لهم خيرًا من أعمالهم [1] .

(1) قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( والطائفتان ) )أي: الجبرية والقدرية (( منحرفتان عن الصراط المستقيم ) )ما هو الكلام الذي على الصراط المستقيم؟، وهو: أن الأعمال أسباب؛ أولًا: الأعمال لها اعتبار، لا يُقال مثل الجبرية: الأعمال لا اعتبار لها ولا ارتباط لها بالجزاء؛ هذا خطأ؛ ولا يقال إن الأعمال أثمانٌ للجزاء والثواب ودخول الجنة، ولكن يقال: إنّ الأعمال أسباب موصلةٌ إلى الثواب؛ الذي جعلها أسبابًا هو الله، لا يكون سببًا إلا ما جعله الله سببًا، الله جعل لكل شيءٍ سببًا، كلُّ شيء في المعاد وفي المعاش كلُّ شيء بسبب: الشقاوة بسبب، السعادة بسبب، لا يولد المولود إلا بسبب، لا ينبت الزرع إلا بسبب، لا يوجد شيءٌ إلا بسبب أبدًا؛ علم الله أنّ الشقي يكون شقيًّا بأسباب والسعيد يكون سعيدًا بأسباب، ويولَد المولود لزيد بأسباب: يتزوّج ويجامع، ويجعل الله الرحم قابلًا للحمل فيولد المولود، لو أنّ إنسانًا تزوّج وترك المرأة في البيت لم يجامعها ينتظر منها الولد، قال: عملت السبب أتيت بالمرأة فليولَد المولود، يقال له: أحمق؛ كذلك: لو أنه أصلح قطعة من الأرض للزراعة لم يُلق البذر في الأرض ولم يُسْق الماء ينتظر منها الزرع والحرث، أحمق؛ كذلك الشقاوة والسعادة، كلُّ شيء الله ربط بالأسباب

إن الشقي لا الشقي الأزلي ... وعكسه لم يبدَّل

ليس معنى هذا: أن الشقاوة كُتبتْ والسعادة كُتبتْ بدون أسباب، لا، الله علم الشقي يشقى بأسباب والسعيد بأسباب، لا توجد أشياء تكوّن وتقع في هذا الكون بدون بأسباب، إما بسبب مفرد والغالب بأسباب متعدِّدة.

(( وهو أنّ الأعمال موصلةٌ إلى الثواب ) )الله هو الذي شرع تلك الأعمال وجعلها أسبابًا، وجعلها صالحةً لتوصِل إلى الثواب بأن قبلها وبارك فيها.

(( والأعمال الصالحات من توفيق الله ـ تعالى ـ ) ). الذي وفٌّق العبد ليصلي ويصوم ويزكِّي ويجاهد ويعمل ويعمل هو الله، من توفيق الله وفضله، هو الذي تفضّل عليه بذلك؛ لو أراد أن يعرف الإنسان ذلك: اثنان في حيٍّ واحد ـ قد يكونان في بيت واحد ـ أحدهما موفَّق يعمل يَكِدُّ، يؤمن ويعمل، والآخر لا يعمل شيئًا بارد لا يتحرّك لا يقدِّم شيئًا؛ الذي وفّق هذا إلى العمل هو الله، والذي خذل ذلك هو الله؛ هذا الذي وُفِّق يجب أن يعرف الله ميّزه من ذلك من زميله الآخر فوفّقه إلى العمل ليعلم أنّ ذلك فضلٌ من الله ومنّة وصدقة.

(( وليستْ ) )هذه الأعمال الصالحات، (( قدْرًا لجزائه وثوابه ) )ليست لهذا الأعمال قيمة حتى يكون لها قدر وتكون مكافئة لجزائه وثوابه؛ فلانٌ ليس قدْرٌ لهذا معناه: ليس كُفؤًا وليس مقابِلًا لهذا؛ معنى قوله (( وليستْ قدْرًا ) ): أعمالنا ليستْ قدْرًا لا تستحقُّ أن تكون ثمنًا وجزاءًا وثوابًا لمرضات الله ـ تعالى ـ وجنته لو لم يبارك الله ـ سبحانه وتعالى ـ فيها؛ أرجو أن تكون هذه العبارة معلومة. (( وليست قدرًا لجزائه [تعالى] وثوابه ) )أي: دون جزاء الله وثوابه، ليستْ كفؤًا لذلك، وليستْ مكافِأة لذلك لولا فضل الله ومنّه.

(( بل غايتها إذا وقعت ) )الأعمال (( على أكمل الوجوه ) )) مستوفيةً للشروط (( أن تكون شكرًا ) )فقط (( على أحد الأجزاء القليلة من نعمه ـ سبحانه وتعالى ـ ) )تكون شكرًا لجزء يسير من نعمه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ لذلك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده: (( لا أُحصي ثناءً، عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) )في الدعاء المشهور؛ مهما عمل العبد، ومهما أثنى، ومهما كدَّ عمله لا يكون ليس مناسبًا أو مكافِأً لثوابه وجزائه ولا قدْرًا لذلك لولا فضل الله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ ولكن غاية ما هنالك إنْ وفّقه الله وعمل وقُبل ذلك العمل أن يكون شكرًا لا لجميع نعم الرب ـ سبحانه وتعالى ـ بل لجزء يسيرٍ من نعمه ـ سبحانه وتعالى ـ.

لذلك ـ إذا تصوّرنا هذا التصوُّر ـ: (( فلو عذّب ) )الله (( أهل سمواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غيرُ ظالمٍ ) )لهم، بل عدلًا؛ إذْ لا يتأتّى الظلم من الله أبدًا، إذ لا يستوجبون عليه شيئًا؛ الظالم: من يمنع غيره حقه على طريقة القدرية، وأما إذا اعتبرنا أنّ كلما نفعه فضلٌ من الله قليل أو كثير، وأنّ أعمالنا ليستْ قدْرًا لجزائه وثوابه وإنما تفضّل علينا تفضُّلًا بجميع هذه الأعمال، لو لم يقبل منا هذه الأعمال، ولم يقبل من أهل سمواته وأهل أرضه حتى الملائكة لعذبّهم وهو غيرُ ظالم لهم، بل ذلك عدلٌ؛ وإنْ قبِل منهم وأثابهم على ما فعلوه وذلك فضلٌ؛ أعمال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ تدور بين العدل وبين الفضل ولا ثالث لهما: إما فضلٌ إنْ أعطاك ووفّقك وقبِل منك أعمالك وأثابك ذلك فضل، وإن لم يوفِّقك إلى الأعمال أو عملت ما تقبّل منك ذلك العمل ذلك عدلٌ، إنما منعك حقّه هو

ـ سبحانه وتعالى ـ وليس بحقك، وليس لك حقٌّ على الله ـ سبحانه وتعالى ـ.

(( ولو رحمهم لكان رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ) ). هذا معنى الحديث؛ روى الحديث بالمعنى، ورد في هذا حديثٌ صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت