فهرس الكتاب
الجنة بما كنتم تعملون، {إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب} ؛ وفي (( الصحيح ) ): (( إنما هي أعمالكم عليكم ثم أوفِّيكم إياها ) ).
قالوا: وقد سمّاها جزاءً وأجرًا وثوابًا لأنه شيءٌ يثوب إلى العامل من عمله أي: يرجع إليه.
قالوا: ويدلُّ عليه الموازنة: فلولا تعلُّق الأعمال بالثواب عوضًا عليها لم يكن للموازنة معنى.
وهاتان الطائفتان متقابلتان: فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطًا بالجزاء البتّة، وجوّزوا أن يعذِّب الله من أفنى عمره في الطاعة وينعِّم من أفنى عمره في مخالفته وكلاهما سواءٌ بالنسبة إليه، والكلُّ راجعٌ إلى محْض المشيئة. والقدرية أوجبتْ عليه ـ تعالى ـ رعاية المصالح، وجعلتْ ذلك كله بمحض الأعمال، وأنّ وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن؛ فجعلوا تفضُّله ـ سبحانه وتعالى ـ على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد وإعطائه ما يُعطيه أُجرة على عمله أحبُّ إلى العبد من أن يعطيه فضلًا منه بلا عمل؛ (ولم يجعلوا للأعمال تأثيرًا في الجزاء البتّة) [1] .
(1) هذه الجملة: (( ولم يجعلوا للأعمال تأثيرًا في الجزاء البتّة ) )اجعلوها بين معكوفتين؛ هذا تصرُّفٌ من النُسّاخ في غير موضعه، بل اكتبوا بدل ذلك: (بل جعلوا الجزاء ثمنًا للأعمال يجب أداؤه) .
في الهامش عندكم: (( أول بدعة ظهرت في الإسلام ) )يعني: القدرية؛ هذا الكلام فيه نظر: عندما ظهرت القدرية في عهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قد كُفّ بصر ابن عبّاس وكان يقول: (لو وقعتْ رقبة أحدهم في يدي لكسرتها) لأنه قد كُفّ بصره؛ وعندما خرجت الخوارج واجتمعوا في الحروراء هم الذي خرج إليهم ووعظهم، وهم ستة آلاف مقاتل فتاب منهم ألفا مقاتل، وقاتل الباقين علي بن أبي طالب؛ والقصتان تدلاّن على أن الخوارج قبل القدرية ـ الخوارج خرجت قبل القدرية ـ؛ الفِرَق الثلاثة التي ظهرت في عهد علي - رضي الله عنه: الشيعة والخوارج والقدرية؛ الذي يظهر من السياق ـ من سياق القصص ـ والتاريخ أن الخوارج قبل القدرية؛ ويُبحث عن الشيعة هل هي أول ما ظهرت قبل الخوارج أم لا؟، يُعاد النظر. المهم قوله: (( أول بدعة ظهرتْ في الإسلام ) )يعني بذلك: القدرية محلُّ نظر.
تعليق طه سليم.
قال المؤلِّف ـ فيما تقدّم ـ أن للناس في منفعة العبادة وحكمها ومقصودها طرقًا أربعة وهم في ذلك أربعة أصناف؛ ذكر الصنف الأول وهم نُفاة الحِكَم والتعليل، وهم الجبرية الذين ينفون الحِكَم والتعليل، ويردُّون الأمر إلى نفس المشيئة وصِرْف الإرادة المحضة؛ هؤلاء الجبرية؛ والجبرية يقال لها: القدرية ـ القدرية الجبرية ـ؛ ولكن إذا أُطلقت القدرية تنصرف إلى نُفاة القدر، وبالقرينة تُطلق كلمة القدرية ـ أيضًا ـ على الجبرية؛ الجبرية قدرية أي: غلوا في إثبات القدر حتى نفوا العبد قدرته وإرادته واختياره.
والقدرية النُّفاة غلوا في نفي القدر؛ هما على طرفيْ نقيض.
(( الصنف الثاني: القدرية ) )أي: نُفاة القدر.
(( النُّفاة الذين يُثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل ) ). الجبرية نفوا نفيًا مطلَقًا الحكمة والتعليل في أفعال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ؛ وقالوا: إنّ أفعال الله لا تُعلَّل ولا يقال: يفعل لحكمة، وإنما وقعت هذه الأفعال كلها بمجرّد تعلُّق الإرادة بها؛ هذه الجبرية
ـ كما تقدم ـ.
ولكنّ القدرية تُثبت نوعًا من الحكمة والتعليل، لكن لا يقوم بالرب، الحكمة ليستْ راجعة للرب.
(( لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه ) )أي: الحكمة والتعليل التي تُثبت القدرية: لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه.
الحكمة في تشريع العبادة ليستْ راجعة هذه الحكمة؛ ولذلك تسمى نوع، وهو في الواقع ليستْ حكمة؛ لا يسمى إثبات الحكمة والتعليل بمعنى كامل، إلا أنهم أثبتوا إن الأعمال إنما شُرعت لأجل شيء ما هو ذلك الشيء؟ أن ينال العباد الثواب على هذه الأعمال لا لتكون لعبادةً لله؛ ولكنّ الله أخبر أنما خلق الإنس والجن للعبادة.
وبعض الأعمال قد لا نُدرك الحكمة في ذلك، ولكن هم أثبتوا مقابِل الجبرية؛ عند الجبرية لا علاقة للثواب بالأعمال، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لمحْض المشيئة يثيب ويعاقِب؛ ويجوز ـ في نظرهم ـ أن يعاقب من أفنى عمره كله في طاعة الله ـ تعالى ـ أن يدخله النار، وأن يُدخل من أفنى عمره كله في المعاصي والكفر؛ إذْ لا علاقة للثواب بالأعمال.
عكس هذا القدرية: قالوا: لا، الأعمال لازمة لتكون أثمانًا للثواب.
هذا وجه الحكمة ـ أو وجه العلّة ـ التي أثبتوا؛ تسميته علّة أو حكمة في نوعٌ من التسامُح.
(( بل يرجع لمحْض مصلحة المخلوق ومنفعته ) ). إنما شَرَع الشرائع وأوجب وحرّم لمصلحة العباد، وليس لله في ذلك حكمةٌ ترجع إليه، ولكن إنما فعل ذلك لمصلحة العباد، لأنه ـ في عقيدتهم ـ يجب على الله أن يفعل الأصلح فالأصلح للعباد.
(( فعندهم: أنّ العبادات شُرعت أثمانًا لِمَا يناله العباد من الثواب والنعيم ) ). العبادات التي يعبدون والأعمال التي يعملون لا لينالوا بذلك رضى ربهم والتقرُّب إليه، ولكن ليأخذوا الثمن، الثمن: الثواب والنعيم؛ كلُّ من عمل صالحًا وجب على الله أن يدخله الجنة وأن يثيبه على عمله الصالح؛ هذا هو جزاء العمل وثمن العمل، أما التفكير في أنهم يُرضون ربهم ويتقرّبون إليه ويطلبون رضاه، لا، ليس هذا على بالهم.
(( وأنها ) )أي: العبادات (( بمنزلة استيفاء الأجير أجره ) )الأجير يستحقُّ الأجرة على من عمل عنده، ولو منعه يُعَدُّ ظالمًا، لأنه عمل له؛ هكذا شبّهوا رب العالمين بمن عمل عنده الأجراء: كما أنّ صاحب العمل الذي عمل عنده أجراء يجب عليه إيفاء أجرتهم يجب على الله أن يوفي ثواب العاملين وأن يدخلهم الجنة مقابِل أعمالهم، وأنّ ذلك واجب.
(( قالوا ) )الدليل على ذلك؛ انتبهوا هذا أهمّ شيء، كونهم يستدلُّون على هذه الفكرة الخاطئة الكفرية التي لا تؤمن بالله ـ تعالى ـ ولا تقدِّر الله حقّ قدره يستدلون على ذلك بآيات من الكتاب وبالأحاديث؛ المهم: فهم وجه الاستدلال وكيفية رد تلك الشبه:
(( ولهذا: يجعلها ـ سبحانه وتعالى ـ عوضًا ) )قد جعل النعيم والثواب ودخول الجنة عوضًا لِمَا قدّموا من الأعمال، والأعمال أثمان والجنة والثواب مُثْمَن، كما يجب على الإنسان ـ على البائع مثلًا ـ إذا قدّم المشتري شيئًا من الثمن وجب على البائع أن يعطيه المُثْمَنن، ولو منع يُعَدُّ ظالمًا؛ هكذا شبّهوا الله ـ تعالى ـ بهذا المخلوق.
دليل ذلك: {ونودوا أنْ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} محل الشاهد: {بما كنتم تعملون} (الباء) ـ عندهم ـ (باء الثمن) و (باء المقابَلة) و (باء العوض) المعنى واحد، تسمى (باء العوض) و (باء المقابلة) و (باء الثمن) .
{هل تُجزون إلا ما كنتم تعملون} سمّاه جزاءً.
الآية الثالثة محلُّ الشاهد: تسمية ذلك جزاءً؛ أما الآية الأولى والثانية محلُّ الشاهد:
(الباء) في قوله: {بما} .
الآية الرابعة: {إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب} سمّاه أجرًا؛ أحيانًا يسمِّي ذلك جزاء وأحيانًا يسمِّي ذلك أجرًا.
(( وفي (( الصحيح ) ): (( إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفِّيكم إياها ) ))) (( أوفِّيكم إياها ) )أي: جزاءً لأعمالكم؛ والحديث صحيح في (( صحيح مسلم ) ).
(( قالوا ) )بيانٌ لكيفية الاستدلال (( وقد سمّاها جزاءًا وأجرًا وثوابًا ) ). الثواب معناه: (( لأنه شيءٌ يثوب على العامل من عمله، أي: يرجع إليه ) )ثمنًا لعمله.
(( قالوا ) )مرّة أخرى؛ دليلٌ آخر دليل عقلي: (( ويدلُّ عليه: الموازَنة ) )أي: جعل الميزان لأعمال العباد يوم القيامة، (( فلولا تعلُّق الثواب بالأعمال عَوَضًا عليها ) )ليكون الثواب عوضًا على الأعمال (( لم يكن للموازنة معنى ) ). هذه الشبهة ردُّها أشار إلى الرد على هذه الشبهة شارح (( الطحاوية ) )عند ذكر الميزان حيث قال: (ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله ـ سبحانه وتعالى ـ لجميع عباده لكفى؛ فإنه لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين) ؛ الله يحب العذر ويحب أن يقيم الحجة لأن لا يحتجّ العباد لذلك أرسل الرسل مبشِّرين بالخير ومنذرين من الشر.
كذلك إنما جَعل الميزان لأعمال العباد ليظهر لجميع العباد عدلُ الله ـ تعالى ـ، وأن الجزاء ليس مجازَفة، وإنما بالميزان، يأخذ الإنسان ثوابه بالميزان لإظهار عدله ـ سبحانه وتعالى ـ. راجع (( شرح الطحاوية ) )النسخة المشهورة الوحيدة الآن (صفحة 475) الذي بتعليق الشيخ ناصر.
(( وهاتان الطائفتان متقابلتان: فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطًا بالجزاء البتّة، وجوّزت ) ). عند الجبرية لا ارتباط للأعمال بالجزاء البتّة؛ لذلك: يجوز عندهم (( أن يعذِّب الله من أفنى عمره في الطاعة، وينعِّم من أفنى عمره في مخالفته، وكلاهما سواءٌ بالنسبة إليه [تعالى] ) )ذلك لأن (( الكلَّ راجعٌ إلى محْض المشيئة ) )إنما يعذِّب من يعذِّب وينعِّم من ينعِّم لأن الإرادة الكونية ـ التي هي المشيئة ـ تعلّقت بذلك، ليس هناك حكمةٌ أخرى. ولو تعلّقت الإرادة بأن يعذِّب المطيع لعذّب، ولو تعلّقت الإرادة بأن يُنْعِم العاصي لأنعم، إذْ لا توجد هناك حكمة؛ هؤلاء هم الجبرية.
إذا تصوّرنا عقيدة الجبرية التي نفت الحكمة والتعليل في أفعال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وأنّ كلَّ ما يقع في هذا الكون من خير وشرٍّ وطاعة ومعصية لمجرّد تعلُّق المشيئة بذلك، لماذا تعلّقت المشيئة؟، لا يُسأل إذْ لا توجَد هناك حكمة.
أما (( القدرية أوجبتْ عليه ـ سبحانه وتعالى ـ رعاية المصالح ) )والعبارة المعروفة عندهم: يجب على الله فعل الأصلح فالأصلح للعبادة؛ هذه عبارتهم، يجب على الله فعل الأصلح فالأصلح للعبادة؛ تجدون هذه العبارة كثيرًا ما ينقل العلاّمة ابن القيّم في كتابه (( شفاء العليل ) ).
(( وجعلتْ ذلك كله بمحْض الأعمال ) ). القدرية أوجبتْ عليه ـ سبحانه وتعالى ـ رعاية المصالح؛ (( وجعلتْ ذلك كله ) )رعاية المصالح (( بمحْض الأعمال ) )أي: إنهم يستوجبون على الله ـ تعالى ـ بمحض الأعمال؛ لا عبرة بتوفيق الله ـ تعالى ـ وعدم التوفيق، وليس لله فضلٌ في ذلك، ولكن يستوجبون ذلك بمحض الأعمال.
(( وأن وُصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيصٌ باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن ) ). قالوا العبد شريف لا ينبغي أن تصل إليه الصدقة بدون ثمن، لأن في ذلك تنقيصٌ له؛ لو قلنا إنّ هذه الأعمال فضلٌ من الله وصدقةٌ منه ومنّة في ذلك تنقيصٌ للعبد؛ لأننا نصل ولأن لا ننقِّص العبد مكانته فلنوجب على الله ـ تعالى ـ أو يوفيَ له الأجر ثمنًا لأعماله.
(( فجعلوا تفضُّله ـ سبحانه وتعالى ـ على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد ) )كما أن العبد إذا تصدّق على العبد استعلى عليه، وصار المتصدَّق عليه أنقص منه؛ جعلوا صدقة الله ومنّة الله على عبده كصدقة العبد على العبد {ما قدروا الله حق قدره} .
(( وإعطائه ما يعطيه أجرة على عمله أحبُّ إلى العبد من أن يعطيه فضلًا منه بلا عمل، ولم يجعلوا للأعمال ) ). قالوا العبد كونه يعطى أجرة عمله أحبُّ إليه من أن يعطيه فضلًا منه بلا عمل.
لو كان لديهم أدنى تفكير: هذا العمل من أين جاء؟، مَنِ الذي شرع هذا العمل؟، الله، ومن الذي جعله سببًا؟، الله، من الذي تقبّل منه ذلك العمل حتى يُثاب عليه؟، الله؛ خلق، ويسّر له العمل فعمل، وجعل هذا العمل سببًا مقبولًا عنده، وأثابه على هذا العمل؛ كلُّ ذلك منّة وفضلٌ من الله؛ لا يوجد شيءٌ غير الفضل وغير المنّة، بل كلُّ ذلك صدقة؛ إيجادك أيها العبد المتمرِّد الذي تقول هذا الكلام مِنّة، وكونه وفّقك شَرَع لك عملًا منّة، وتقبّل منك ذلك العمل منّة، وجعل ذلك العمل سببًا لدخولك الجنة مِنّة أخرى؛ كلُّ شيء منّة وفضلٌ من الله؛ نَسِيوا هذا المعنى كله، قالوا: لا، لا نسمى ما يعطيه الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لعبده صدقة ومنّة وفضل بل لا عوض وثمن، لأن ذلك أحبُّ إلى العبد من أن يتقبّل من ربه الصدقة كما لا يحب أن يتقبّل الصدقة من عبد مثله كذلك لا يحب أن يتقبّل الصدقة من ربه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ ما أجرأهم.
بل جعلوا الجزاء ثمنًا للأعمال يجب أداؤه ـ أداء ذلك الثمن ـ يجب على مَنْ؟، على الله؛ فيأخذ العبد الجزاء ثمنًا لعمله وليس عليه منّة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ هكذا تصوّروا هذا التصوُّر الخاطئ.