فهرس الكتاب
الصِّنْف الرابع الذين زعموا: أنّ فائدة العبادة رياضة النفوس واستعدادها لفيْض العلوم والمعارف عليها، وخروج قُواها من قوى النفس السَّبُعية والبهيمية؛ فلو عُطلت العبادة لا التحقت بنفوس السباع والبهائم؛ فالعبادة تُخرجها إلى مشابهة العُقول فتصير قابلة لانتقاش صور المعارف فيها.
هذا يقوله طائفتان:
إحداهما: من [تقرّب] إلى الإسلام والشرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم الفاعل المختار.
والطائفة الثانية: من تفلسف من صوفية الإسلام [وتقرّب] إلى الفلاسفة؛ فإنهم يزعمون: أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس للمعارف العقلية ومخالفة العوائد.
ثم مِنْ هؤلاء من لا يوجِد العبادة إلا بهذا المعنى؛ فإذا حصل لها ذلك بقيَ متحيِّرًا في [حفظ] أوراده والاشتغال بالوارد منها.
ومنهم: من يوجِب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها؛ وهم صنفان
ـ أيضًا ـ [1] :
(1) انتبهوا! الليلة أنتم مع الفلاسفة.
(( الصنف الثالث ) )من الأصناف التي تقدّم أنْ قال المؤلِّف فيها: (( واعلم: أن للناس في منفعة العبادة وحكمها ومقصودها أربعة طرق ) )ـ أو طرقًا أربعة (( وهم في ذلك أربعة أصناف ) )؛ تقدم الحديث على الصنف الأول والثاني.
والصنف الثالث: (( الذين زعموا: أن فائدة العبادة رياضة النفوس ) )لتفارق ـ أو ليفارق ـ الإنسان البهائم والسَّبُع.
الصنف الثالث من الأصناف الأربعة التي تقدّمت الإشارة إليها: هم الذين يزعمون أنّ فائدة العبادة رياضة النفوس واستعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها؛ ليست العبادة مقصودة بالذات أو مقصودة للتقرُّب بها إلى الله أو لطلب مرضات الله أو لتحقيق العبودية، ولكنها رياضة النفوس واستعداد النفوس لفيض العلوم والمعارف عليها؛ هذا هو الهدف من العبادة، لتصل النفوس البشرية إلى درجة أنها تكون صالحة لتفيض عليها العلوم والمعارف من الله مباشرة دون حاجة إلى الرسل ودون حاجة إلى الدراسة، يعني: يجتهد المرء في العبادة فيُكثر من الصلاة والصيام وجميع الأعمال التي تتيسّر له ويقصد من هذا الاجتهاد أنه يصل إلى درجة من رياضة النفس حتى تفيض عليها العلوم والمعارف من الله مباشرة دون حاجة إلى الأنبياء.
(( واستعدادها ) )استعداد النفوس.
(( لفيض العلوم والمعارف عليها ) )العلوم والمعارف بمعنى واحد؛ لتفيض من الله العلوم والمعارف على النفوس؛ ويتحصّل الإنسان بالرياضات النفسية على العلوم والمعارف بدون تعلُّم، ما يحتاج إلى التعلُّم والدراسة، ولكن يروِّض النفس رياضة بالعبادة فيُكثر من العبادات: يكثر الصيام والقيام والعبادات التي تشقُّ على النفس بذلك يصل إلى درجة أنّ العلوم الربّانية والمعارف تفيض على نفسه.
(( وخروج قُواها ) )قوى النفس (( من قوى النفس السَّبُعيّة والبهيمية ) )لتخرج قوى نفوس الإنسان من قوى النفس السبُعيّة والبهيمية أي: لتخالف النفوس البشرية تخالف قواها قوى النفس السبعية والبهيمية لأن لا تكون قوى البشر مثل قوى السبع وقوى البهائم التي لا هَمّ لها إلا البطن والفرج.
فإذا اشتغل الإنسان بالعبادة كثيرًا خرج من هذه الطبيعة ـ من هذه الطبيعة السبُعيّة والبهيميّة ـ ولو لم يفعل ذلك بقيَ في حكم البهائم وحكم السبُع؛ فإذا فارق ـ أو فارقت ـ نفسه أو طبيعته الطبيعة السبُعية والبهيمية يصل إلى درجة تفيض عليه العلوم والمعارف؛ هي في الواقع خيالات، تأتيهم خيالات فيحسبون أنها علوم ومعارف، ويزعمون أنّ الإنسان بهذه الطريقة قد يكون يصل إلى درجة لم يصل إليها الأنبياء.
لذلك: كبار الفلاسفة عندهم أفضل من الأنبياء، لأنّ الأنبياء يأخذون المعارف والعلوم بواسطة الملائكة، وهم بالرياضة النفسية هذه وصلوا إلى درجة أن يأخذون العلوم والمعارف ـ أو تفيض، ليس يأخذوا، تفيض فيضًا ـ من الله ـ تعالى ـ على نفوسهم بسبب هذه الرياضة النفسية؛
(( فلو عُطِّلت العبادة لا التحقت نفوسهم بنفوس السباع والبهائم ) )وحشيةٌ مؤذية، لا علم ولا معرفة؛ لكن لانتْ ووصلتْ إلى درجة أنها تفيض عليها العلوم والمعارف بسبب الإكثار من العبادة؛ هذه فائدة الإكثار من العبادة عندهم، لا يريدون بها رضى الله والجنة وطهارة النفس، ولكن يريدون أن يصلوا إلى هذه الدرجة، بمعنى: يشتغلوا بالعبادة على جهل دون اتّصال بالوحي، فيتسلّط عليهم الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء فيخيَّل إليهم تأتيهم المعارف والعلوم من عند الله، ويتحدّثون بحريتهم كلُّ كما يريد، إلى أن يصل الإنسان إلى درجة أنه صار أفضل من الرسل الذين تأتيهم الملائكة.
والعبادة هي التي تفرِّق بين النفوس البشرية وبين نفوس السباع والبهائم.
(( فالعبادة تُخرجها ) )تُخرج النفوس البشرية (( إلى مشابهة العقول ) )ليعقل ويفهم. العقول التي هي محل العقل والفهم (( فتصير قابلة لانتقاش صور المعارف فيها ) )بحيث تكاد المعارف أن تتجسّد، وتكون لها صور، وهذه الصور تُنْقش على هذه العقول التي كانتْ نفوسًا شبيهة بنفوس السبُع والبهائم ولكنها تحوّلتْ إلى عقول قابلة للمعارف الإلهية؛ ليس تفيض فقط ولكنها تُنْقَشْ فتثبُت؛ بذلك يخرجون من العالم الحِسِّي إلى عالم آخر خيالي.
وهذا الكلام لَمّا يُشْرح يحسب الذي ما يعرف الفلاسفة إنها حقائق واقعة ولكنها خيال؛ أكثر ما فيه: تلبس الشيطان عليهم والنفس الأمّارة بالسوء؛ حتى يخيَّل إلى كبارهم أنه استغنى عن الوحي وعن الأنبياء وأنّ المعارف جاءته من عند الله مباشرة ففاضتْ على نفسه وعلى عقله فنُقشت في عقله؛ وهذا مجرّد خيال، وليستْ هناك حقيقة واقعة، ولكن قد يتحدّث المرء منهم بهذا ويتكلّم فيكتب في هذا كتبًا بأسلوب فلسفي وقد يكون فيه نوعٌ من الأدب ـ ليس الأدب اللغة ولكن أدب التصوُّف ـ لأن التصوفُّ اختلط بالفلسفة خصوصًا من عهد الإمام الغزالي يُقال هو أول من خلط التصوُّف بالفلسفة؛ لذلك: يكتبون كلامًا غير مفهوم، لا يفهمه إلا الخواص، للإمام الغزالي كتابٌ سمّاه: (( المضنون به على غير أهله ) )كتابًا كتبه، معنى (( المضنون به على غير أهله ) ): لا يفهمه إلا الفلاسفة؛ والكتاب عندنا وكما قال لا يُفهم، أشبه ما يكون بالرُّطانة، ولكن لا يفهم إلا الفلاسفة ومن درس الفلسفة.
لله درُّ شيخ الإسلام الذي بارك الله في أوقاته درَس هذه العلوم فردّ على هؤلاء الفلاسفة الملاحدة بلغتهم بحيث لا يُستفاد من كتابه (( الرد على المنطقيِّين ) )و (( الرد على الفلاسفة ) )إلا من درَس هذه العلوم.
هذا أسلوب جديد: تُنْتَقَشُ وتُكتب صور المعارف تُكتب في النفوس كتابة كالنقش كاللوحات المكتوبة هذه.
(( وهذا ) )الكلام؛ ما هو هذا الكلام؟، كونُ العبادة رياضة النفوس إلى آخره، يقول هذا طائفتان، (( يقوله طائفتان ) )الذين يعتقدون أن فائدة العبادة الرياضة النفسية إلى أنْ يصل الإنسان إلى الفيض الإلهي، بل إلى درجة أنّ صور المعارف ـ تكون للمعارف
صور ـ فتُنْقَش هذه الصور في نفوسهم فتبقى ولا تنسى، يقول هذا طائفتان؛ لعلكم بعد التفصيل بين الطائفتين تقرُبون من الفهم إن شاء الله.
(( إحداهما ) )إحدى الطائفتين: (( من [تقرّب] إلى الإسلام والشرائع ) ). لفظة (( تقرّب ) )التعبير فيه بعضُ الشيء، أي: من يقرُب إلى الإسلام والشرائع، يحاول أن يكون قريبًا من تعاليم الإسلام ومن الشريعة.
(( من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم الفاعل المختار ) )ويُنكرون انشقاق الأفلاك كالقمر؛ من طريقتهم: إنكار انشقاق القمر وحدوث أي حدث في هذا العالم لأنه قديم، والقديم لا يحدُث فيه شيء، لذلك يُنكرون انشقاق القمر؛ بمعنى: إنّ الفلاسفة طوائف ومذاهب، ومن يقول هذا الكلام ـ العبادة رياضة ـ هم الذين يقرُبون من الإسلام والشرائع، أي: يُبيحون ويُجيزون العبادة الصورية الشكلية هذه.
القول بـ (( قِدَم العالم ) )وإنكار الفاعل المختار ـ وهو الله سبحانه وتعالى ـ كفر.
وإنما قالوا في حقّ الرب (الفاعل المختار) لأن أفعال الله ـ تعالى ـ كلها اختيارية، وأفعال العباد فيها أفعال اختيارية وفيها أفعال اضطرارية، وأفعال الله كلها اختيارية، ولذلك يسمون الفاعل المختار.
ولكنّ الفاعل المختار ـ في زعمهم ـ خلق مخلوقًا واحدًا وهو العقل الفعّال فاستراح بعد، العقل الفعّال هو الذي يفعل وهو ليس بفاعل؛ بمعنى: لا ينكرون وجوده وإنكار من وصل إلى درجة الطَّبَعِيِّين قد يُنكرون وجوده ولو كان إنكارًا شكليًّا أو إنكار عناد، لكن هؤلاء لم يصلوا إلى إنكار وجود الرب ـ سبحانه وتعالى ـ ولكن ينكرون أنه الفاعل المختار؛ وإنْ كانت العبادة توحي أنهم ينكرون وجوده لكن هؤلاء لم يصلوا إلى إنكار وجود الذات ولكن ينكرون أن يكون الفاعل المختار بعد أن خلق العقل الفعّال الذي يفعل وحده.
(( بقدم العالم ) ). يعتقدون إنّ هذا العالم قديم ليس له بداية، ولا يوجد الفاعل المختار؛ نفيٌ لله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ الله انتهتْ وظيفته عندما خلق العقل الفعّال، ولا يفعل ذلك بعد ذلك فعلًا اختياريًّا، العقل الفعّال هو ربُّ كل من دونه؛ يُثبتون ـ أولًا ـ له أنه الخالق، لكن ـ كما تقدّم ـ خالقٌ لا يصدر منه إلا واحد، لأنه واحد، لا يصدر منه إلا واحد، بعد أن خلق ذلك الواحد ليس هو الفاعل المختار، وإنما العقل الفعّال هو الفاعل المختار؛ هؤلاء الفلاسفة. يستوي في هذا المعنى الفلاسفة اليونانيُّون كأفلاطون وأمثاله والفلاسفة الذين يقال إنهم من الفلاسفة الإسلاميِّين كابن سينا والفرابي والكِنْدي هذه عقيدة الجميع ـ جميع الفلاسفة ـ، لا فرق بين ابن سينا والفرابي الذين يسمون الذين يُطلق عليهم الفلاسفة الإسلاميُّون وبين أفلاطون وأمثاله من اليونانيِّين لا فرق بينهم، إنما اختلاف الجنسيّات، هؤلاء جنسيّاتهم يونانيِّين وهؤلاء جنسياتهم غير يونانيِّين فقط والعقيدة هي هي؛ ولذلك: لا يلتبس عليكم الأمر عندما تقروا لبعض الكُتّاب المعاصرين الثناء العاطر على ابن سينا والفارابي وتسميتهم الفلاسفة الإسلاميِّين وتسمية الفلسفة الفلسفة الإسلامية؛ الفلسفة الآن تدرَس في كثير من الجامعات في كثير من الدول الإسلامية والعربية تدرَس الفلسفة بدعوى أنها فلسفة إسلامية؛ وفي الواقع: لا توجَد فلسفة إسلامية، أو لا يوجد في الإسلام فلسفة، وقد عرفتم الآن بعد ما يحاول الفلاسفة: عدم الاشتغال بالوحي، الاستغناء عن الرسالة والنبوّة، والوصول إلى الله ـ تعالى ـ بطريقة جديدة ـ طريقة الرياضة النفسية ـ بدعوى أن العبادة تروِّض النفوس إلى درجة أنّ العلوم والمعارف تفيض عليها من عند الله ـ تعالى ـ بدون واسطة الأنبياء، بل تُنْقَشُ تكون له صور حسيّة تُنْقَشُ في النفوس؛ وهذا شيءٌ خيالٌ يعبِّرون من عند أنفسهم، ويتكلّمون بكلام لا يُفهم، لو أنكم أخذتم الآن كتابًا من كتب الفلاسفة لتقرؤوا فيه بل ردَّ شيخ الإسلام على الفلاسفة لا يستفيد منه إلا القليل، لأنه ردّ عليهم بلغتهم، ولغتهم وإنْ كانتْ لَمّا تقرأ ألفاظ عربية كأنك تقرأ ألفاظ أردية، لَمّا تقرأ الحروف تحسبها عربية فهي أردية لا تفهم معناها هي مثلها تمامًا كلامٌ لا يُفهم.
هذه طائفة من الطوائف التي تقول: إن العبادة رياضة.
عرفنا الطائفة الأولى ـ الفلاسفة ـ؛ وأهم ما في الأمر: أن لا تغترُّوا ولا تنخدعوا بمن يقول بالفلسفة الإسلاميّة والفلاسفة الإسلاميِّين؛ هذه عبارةٌ فيها تلبيس، ولا يجوز التلبيس في باب البيان؛ الله نهى عن التلبيس: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ، التلبيس يلزم منه الكِتْمان، والكتمان جريمةٌ كبيرة في باب البيان، من لبّس كتم، والكتمان كبيرة من الكبائر؛ لذلك: التلبيس على الشباب بأن هذه فلسفة إسلامية وهؤلاء فلاسفة الإسلام تلبيس هذا كله، وفيه كتمانٌ للحق؛ هؤلاء ابتعدوا عن الوحي ابتعادًا كما تلاحظون الآن.
(( والطائفة الثانية ) )من القائلين بالرياضة النفسية، وأن الفائدة من العبادة: الرياضة النفسية؛ الطائفة الأولى الفلاسفة سواءٌ كانوا اليونانيِّين أو غيرهم. الطائفة الثانية: الصوفية.
(( من تفلسف من صوفية الإسلام ) ). هذه هي الأخرى؛ تسمية الصوفية صوفية الإسلام كذلك من التلبيس، لا يوجد في الإسلام ما يسمى بالتصوُّف؛ التصوُّف نحن عرفنا تاريخ نشأته متى نشأ وفي أيِّ بلد وكيف نشأ؛ تحدّث عن هذا شيخ الإسلام في مجلّد خاصٍّ بالتصوُّف في (( المجموع ) )، وبيّن أنه نشأ في البصرة في حدود القرن الثالث ـ تقريبًا ـ بدأ بقوم زهدوا وتقشّفوا وانقطوا للعبادة، ثم لاشتغالهم بالعبادة على جهل زيّن لهم الشيطان زيًّا معيَّنًا، زيَّ الشهرة لباس الشهرة، واشتهروا بلبس الصوف، وقاطعوا القطن والكِتّان إلا الصوف، في زعمهم: نوعٌ من التزهُّد؛ فهذا سبب تسميتهم
(الصوفي) ، الرجل الصوفي أي: المشهور بلبس الصوف.
إذًا: تسمية الصوفية صوفية الإسلام ـ أو التصوُّف الإسلامي ـ خطأ؛ الإسلام هو ما جاء به محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كلُّ ما أُحدث من فرقة أو ملّة أو نِحْلة أو حركة أو جماعة بعد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يعرفها النبي ولا أصحابه لا يسمى إسلامًا أبدًا.
ولذلك: صحيح الصوفية يتفلسفون ـ ليسوا بفلاسفة ـ لكن منهم من يتفلسف، فيدرس الفلسفة فيتفلسف؛ هؤلاء يقولون بقول الفلاسفة.
(( صوفية الإسلام ) )أي: يوجد في الصوفية من لم يتفلسف؛ وكما قلنا: كان التصوُّف اصطلاحًا قائمًا بذاته لا علاقة له بالفلسفة ولكن خُلطت الفلسفة بالتصوُّف ـ أو خلطَ التصوُّف بالفلسفة ـ: الإمام الغزالي كان في أول حياته صوفيًّا وحائرًا وهالكًا في شطحات التصوُّف، ثم أضاف إلى التصوُّف الفلسفة وخلط بينهما، وألّف كتبًا مختلفة؛ أثنى شيخ الإسلام على كتاب (( إحياء علوم الدين ) )مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة والكلام الفلسفي والشطحات الصوفية، لكنه يقول: خيرُ كتابٍ ألّفه الغزالي، وله كتب ـ وإنْ لم تكن بمستوى (( إحياء علوم الدين ) )من حيث العلم ـ لكن من حيث القرب من العقيدة أو موافقة منهج السلف له رسائل أحسن من (( إحياء علوم الدين ) )، منها: (( إلجام العوام عن علم الكلام ) )، ورسائل أخرى في هذا المعنى؛ وله كتبٌ فلسفية فأبعد عن الحق وأعمق في التصوُّف: (( المضنون به على غير أهله ) )؛ وهذه الكتب كلها موجودة مطبوعة.
والناس احتارتْ في تصوُّر حقيقة الغزالي وحقيقة عقيدته؛ وعند التحقيق: الرجل مرّتْ عليه مراحل في كل مرحلة يؤلِّف كتابًا؛ فنرجو أنه خُتم له بكتابه: (( إلجام العوام عن علم الكلام ) )وبما يُحكى أنه مات و (( صحيح البخاري ) )على صدره ـ أي: رجع إلى الاشتغال بالسنة؛ إنْ كانت هذه الكتب وهذه الحكايات في آخر حياته يرجى أنه ممّن تاب؛ وأنا ذكرت فيمن ذكرت من الأشاعرة من كبار الأشاعرة أنه من الذين ندموا
ـ أو تابوا ـ.
وهو في مرتبة الرازي والشهرستاني والجويني الابن أي: من الذين ندموا وذموا علمَ الكلام؛ ولست أدرى عن توبته الصحيحة الصريحة.
الشاهد: (( الطائفة الثانية من تفلسف من صوفية الإسلام ) )سبق الكلام والتعليق على كلمة (صوفية الإسلام) : التعبير عن الصوفية أنهم صوفية الإسلام ـ أو القول: التصوُّف الإسلامي والفلسفة الإسلامية والفلاسفة الإسلاميِّين ـ هذا التعبير خطأ، فيه تلبيسٌ على الناس؛ لا يوجد في الإسلام تصوُّف، ولا يوجد في الإسلام فلسفة، والله
ـ سبحانه وتعالى ـ حرّم علينا التلبيس ونهاها: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ؛ اللبس ـ لبْس الحق بالباطل ـ يلزم منه: كِتْمان الحق؛ لذلك: لا ينبغي أن يلبِّس الإنسان على من دونه، بل ينبغي أن يكون صريحًا معه.
وإعلان كثيرٌ من الناس: أن التصوُّف عبارة عن التطبيق العملي للإسلام هذا قولٌ خطير جدًّا، ويُبْعد من لا يعرف حقيقة التصوُّف يبعده عن الإسلام؛ حقيقة التصوُّف بعيدٌ عن حقيقة الإسلام وكذلك الفلسفة.
(( [وتقرّب] إلى الفلاسفة ) )بدارسة الفلسفة وتقديس الفلاسفة والاقتناع بقواعد الفلسفة.
(( فإنهم يزعمون ) )هؤلاء الصوفية المتفلسفة.
(( أنّ العبادات ) )أي: هؤلاء الذين تفلسفوا من الصوفية (( رياضات لاستعداد النفوس للمعارف العقلية ) )كما قالت الفلاسفة تمامًا (( ومخالفة العوائد ) )ما تعوّدت النفوس، ومفارقتها العالم الحسي الذي عليه جمهور الناس. هذه طريقة الطائفة الثانية اختلاف يسيرٌ جدًّا في العبارة، وإلاّ المعنى واحد؛ طالما اتّفقوا أنّ العبادات الغاية منها: رياضات نفسية لاستعداد النفوس للمعارف العقلية؛ المعارف التي تفيض على العقول بعد أن فارقت النفسُ البشرية النفس السبُعية والبهيميّة فصارتْ عقلًا يفهم عند ذلك تفيض عليها العلوم والمعارف ـ بل تُنْقش كما تقدّم ـ.
ويؤدِّي ذلك ـ أيضًا ـ إلى مخالفة العوائد والتقاليد، ويأتون بأشياء جديدة، وربما ادّعوا أشياء خارقة للعادة؛ هؤلاء مخالفتهم للعوائد يؤدِّي إلى ادّعاء كرامة خارقة للعادة، ويأتون بأشياء منها: دعوى علم الغيب، والإتيان بأشياء مخالفة للقوانين ـ قوانين
الدنيا ـ والعادات التي عليها الناس ومخالفة الشريعة، ويصل كبارهم إلى درجة تسمية الشريعة بالقشور، واللُّبُّ ما وصلوا إليه بالرياضات النفسية، ذلك هو اللُّب، ولذلك يستخفُّوا بالشريعة وبعلماء الشريعة وإنْ كان لا يصرِّحوا بالاستخفاف بالأنبياء لكن يصرّحون بالاستخفاف من علماء الشريعة: يقولون: هؤلاء علماء الرُّسوم وليسوا بعلماء؛ ويخترعون لأنفسهم ألقابًا: العارف ـ العارفون ـ، ويتركون لفظة (العالِم) ، ولفظة العالم لعلماء الرسوم الذين هم الفقهاء، والعارف والعارفون والواصل والواصلون والأقطاب والغوث هذه من ألقابهم.
(( ثم من هؤلاء من لا يوجِب العبادة إلا بهذا المعنى ) )أي: بقدر ما يصل بها ـ أي: من هذه العبادة ـ إلى درجة أن يصل إلى مخالفة العوائد وفيض المعارف والعلوم. (( إلا لهذا المعنى ) )لأجل الرياضة.
(( فإذا حصل لها ) )أي: لنفسه (( ذلك ) )الرياضة؛ هو ادّعى فاضتْ عليه العلوم والمعارف من الله؛ إذا وصل إلى هذه الدرجة (( بقي [متحيِّزًا] ) )متمسِّكًا (( في [حفظ] أوراده ) )العبادات التي أوصلته إلى هذه الدرجة، يتمسّك بها ويشتغل بها (( والاشتغال بالوارد [عنها] ) )أي: عن النفس؛ أي: ما تملي عليه نفسه، وفي النسخة الثانية: (( ويشتغل بالوارد منها ) )بالوارد منها، بالوارد من الأذكار من العبادات، أي: لا يبتدع، يلتزم بها فيشتغل بها، هي الغاية؛ الغاية: حصول هذه الرياضة، إذا صل له ذلك وقف عندها عند هذه العبادة التي كان اشتغل بها سواء كانت صيامًا أو قيامًا، يلازم هذه العبادة، ولا يشتغل بغيرها.
ولذلك: عبارة (( متحيِّرًا ) )ما هي واضحة في السياق، لو قيل (متحيِّزًا) كان واضح من حيث المعنى.[ثم قال الشيخ في درس اليوم التالي: (( مُخَيَّرًا ) )هكذا العبارة في الأصل؛ أي: يخيَّر؛ يجوز (مخيَّرًا) أو (مخيِّرًا) بين حفظه: بين حفظ هذا المعنى الذي حصل له أو ردِّه وبين ردِّ هذا المعنى: يكون غيرَ مقتنع بهذا المعنى الذي حصل له.
المهم: يبقى في حفظ أوراده يحفظ الأوراد، لأن ـ خصوصًا الطائفة الثانية
الصوفية ـ لهم أورادٌ يأخذونها من الشيوخ، وهذه الأوراد عندهم يسمون وظائف كالصلوات عندنا تُقضى حتى لو نسي الإنسان يقضي، يحافظ على هذه الأوراد.
فيه تصحيف العبارة غير سليمة: انتبه مرّة أخرى: (( فإذا حصل لها ذلك ) )إذا حصل لنفسه ذلك المعنى (( بقي مخيَّرًا ) )أي: يخيِّر نفسه (( في حفظه ) )أي: بين حفظه (( ذلك المعنى أو ردِّه والاشتغال عنه بالوارد ) )بالعمل الوارد وبالعبادات الواردة؛ يُصبح يعطي لنفسه الخيار كأنه غيرُ مقتنع كل الاقتناع بهذا المعنى الذي حصل له.
(( والاشتغال بالوارد [عنها] ) ) الوارد عن النفس ـ عن العقل ـ. وعلى النسخة الثانية: (( والاشتغال بالوارد منها ) )بالوارد من الأوراد؛ وهذا معناه: إذا اشتغلوا بالأوراد الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه ليستْ طريقة الصوفية، ولذلك لعلّ العبارة التي عندنا هي المناسِبة لمذهبهم. (( والاشتغال بالوارد [عنها] ) )عن النفس؛ أي: ما تُملي عليه نفسه لأنه حصل بالرياضة إلى درجة أنها هي التي تُرشده، ويستفيد كلَّ شيء من المعارف العقلية؛ هذا الذي يناسب مذهبهم؛ وإلا على النسخة الثانية: (( والاشتغال بالوارد منها ) )أي: بالوارد من الأوراد أي: بالأوراد الواردة المأثورة؛ وهذا لا يستقيم مع مذهبهم؛ يُرجع إلى الأصل ويُتَأكّد.
(( ومنهم من يوجِب القيام بالأوراد ) )أي: الأوراد الشرعية والعبادات (( وعدم الإخلال بها ) )بتلك الأوراد الشرعية؛ هؤلاء الذين يوجبون القيام ولم يجعلوا لأنفسهم الخيار ـ لنفرِّق بين الفريقين ـ: الفريق الأول: يجعل لنفسه الخيار إذا حصل له هذا المعنى، بين ردِّ هذا المعنى والاشتغال عنه بالوارد، وبين حفظه هذا المعنى الذي حصل له والوقوف عنده، مخيَّر، يخيِّر نفسه ذلك؛ (( ومنهم: من يوجب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها ) )لا يجوز عنده الإخلال بالعبادات الواردة.
لكن هذه الأوراد ليست أورادًا مأثور إنما أوراد يتلقّونها عن مشايخهم. (( منهم من يوجِب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها ) )؛ يحتمل أن يريدوا بالأوراد: العبادات، من يوجِب القيام بالعبادات وعدم الإخلال بالعبادات لأنها هي التي سبّبتْ لهم الرياضة
ـ رياضة النفس ـ.
(( وهم صِنْفان ـ أيضًا ـ ) )الذين يوجبون؛ الأولون لا يوجِبون العبادة إلا بهذا المعنى ـ تقدّم هذا ـ؛ (( ومنهم من يوجِب القيام بالأوراد ) )المراد بالأوراد ـ كما يدلُّ السياق ـ العبادات، من يوجِب القيام بالعبادات وعدم الإخلال بالعبادة، لأنّ الإخلال بالعبادة ـ كما تقدّم ـ يردُّ النفس إلى النفس السبُعية والنفس البهيمية؛ إذًا يلتزمون بالعبادة لهذا الغرض.
هذان الصنفان الخُلْف بينها أشبه ما يكون خُلْف لفظي أي: من حيث الهدف.