فهرس الكتاب
أحدهما: من يقول بوجوبها حفظًا للقانون وضبطًا للناموس؛ والآخرون يوجبونها حفظًا للوارد وخوفًا من تدرُّج النفس بمفارقتها إلى حالها الأولى من البهيمة [1] .
(1) الذين يوجبون القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها صنفان: الصنف الأول: (( من يقول بوجوبها ) )بوجوب القيام بالعبادة.
(( حفاظًا للقانون ) )يعني: الشريعة، المراد بالقانون: الشريعة.
(( وضبطًا للناموس ) )يعني: القانون، المراد: الشريعة أيضًا؛ يعني: للمحافظة على ظاهر الشريعة، وظاهر الناموس: الناموس المتَّبَع عند الناس؛ فقط شبه مجاملة كأنهم يريدون بذلك: مجاملة أهل الشريعة. (( وضبطًا للنفوس ) )هكذا في الأصل، ليس (الناموس) ؛ وإلا إذا قلنا (( ضبطًا للناموس ) )كما هو عندنا يكون مكرّر مع الذي قبله، القانون والناموس بمعنى واحد.
(( وضبطًا للنفوس ) )أي: يجب من يقول بوجوب تلك الأوراد حفاظًا للقانون واحترامًا للقانون ـ أي: للشريعة ـ وضبطًا للنفوس.
الذين يوجبون القيام بالأوراد انقسموا إلى قسمين منهم من يرى هذا الوُجوب لغرض معيّن وهو الحفاظ على القانون ـ على ظاهر الشريعة ـ (( وحفظًا للناموس ) )المعنى واحد.
(( والآخرون يوجبونها ) )يوجبون العبادة، يوجبون التمسُّك بالشريعة؛ لماذا؟
(( حفظًا للوارد ) )لوارد من الشرع؛ أي: للمحافظة على الأوراد الواردة وعلى العبادات الواردة.
(( وخوفًا من تدرُّج النفس بمفارقتها ) )للعبادة إلى حالها الأولى من البهيميّة، لا لأجل المجاملة أو المحافظة على ظاهر الشريعة ولكن حفاظًا على النفس لأن لا ترجع إلى البهيمة والسبُعية.
(( إلى حالها الأولى من البهيمية ) )أي: حفاظًا على هذا المعنى لا احترامًا للقانون، أي: خشية أن تنفلت النفس من أيديهم فترجع إلى بهيمتها وسبُعيّتها، لذلك يحافظون ويوجِبون الحفاظ للوارد ـ العبادات الواردة ـ خوفًا من تدرُّج النفس، لأن لا تتدرّج النفس فتنفلت من أيديهم وترجع إلى السبُعية والبهيمية؛ بمعنى: لا يعبدون الله ـ تعالى ـ ولا يُكثرون من هذه العبادات طلبًا لمرضاته وامتثالًا لأمره وابتغاء رضاه، لا، بل لهذا الغرض، لأنها إنما هي رياضة؛ هذه خلاصتها سواء عند الفلاسفة أو عند الصوفية هي رياضة، لكن منهم من يبالغ فيرى عدم وجوب المحافظة عليها إلا مجرّد المجماملة محافظة للقانون، ومنهم من يرى وجوب المحافظة عليها لأن لا ترجع النفس إلى عادتها وسيرتها الأولى إلى البهيمية والسبُعية.
تجدون الفرق بين الصنفين الأخيرين ليس شيءٌ كبير بل شبه شكلي؛ لأن الأولين يقولون يرون الوجوب حفاظًا للقانون وضبْطًا للنفوس، وهذا المعنى قريبٌ من المعنى الثاني، (( والآخرون يوجبونها حفاظًا للوارد ) )ـ العبادات الواردة ـ (( وخوفًا من تدرُّج النفوس ) )الخوف من تدرُّج النفوس معناه هو الضبط؛ الفرق ليس بكبير؛ ولكن حتى في الأصل هكذا.
هذان الصنفان يتفرّعان من الصنف الفريق الثاني الذي يوجِب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها؛ الفريق الذي قبله: (( ثم من هؤلاء من لا يوجِب العبادة إلا لهذا المعنى ) )
ـ يظهر الفرق ـ الفريق الثاني ولو لم يظهر له هذا المعنى فهو يلازِم العبادة، لو لم يظهر له هذا المعنى الذي حصل للنفس: الفيْض ونقش صورة العبادة لو لم يحصل؛ الأول إنما يسعى للحصول إلى هذه الدرجة فإذا حصل بقي متحيِّزًا متمسِّكًا بنوع العبادة التي حصلتْ له بها هذه الدرجة سواءٌ كانت صيامًا أو قيامًا؛ ولكن الآخرون يوجِبون القيام بالأوراد سواءٌ حصل المطلوب الذي هو الرياضة أو لم يحصل، وهم يسعون لهذا الغرض، لكن يلازمون هذه العبادة لو لم يحصل هذا الغرض الذي هو الرياضة.
ثم كيفية الوجوب: إما حفاظًا للقانون، أو حفاظًا على النفس لأن لا تعود إلى السبُعية؛ الاختلاف من حيث الغرض من حيث الهدف: الطائفة الأولى حصل لها المطلوب ولَمّا حصل لها المطلوب رأتْ المحافظة على هذا النوع الذي حصل به المطلوب من العبادة.
الفريق الثاني ـ الذي انقسم إلى قسمين ـ يرون الوجوب على المحافظة على ذلك سواءٌ حصل المطلوب أو لم يحصل، إما من باب المحافظة على القانون أو من باب المحافظة على النفس لأن لا تنفلت؛ هكذا يظهر ـ والله أعلم ـ. والمقام فلسفة
ـ الله المستعان ـ.
لعل الرجوع إلى الأصل يوضِّح، الكلام ملخّص من كلام العلاّمة ابن القيِّم في (( مدارج السالكين ) )وأحال ابن القيّم ـ أيضًا ـ على (( مفتاح دار السعادة ) )وعلى (( طريق الهجرتين ) )، وذكر كتابًا رابعًا وهو (( روضة المحبِّين ) )؛ وهذا الكتاب بحثنا عنه لم نطّلع عليه، أما الكتابان ـ (( مفتاح دار السعادة ) )و (( طريق الهجرتين ) )ـ موجودان عندي، لكن (( روضة المحبِّين ) )لا أدري هل هو يوجد مطبوعًا أم لا؟، هذا الكتاب المَظِنّة:
(المكتبة السلفية) ، لأن هذه المكتبة هي عندها كتب قديمة زمان من أقدم المكتبات في المدينة، وإنْ كانت الآن أصبحتْ ما في مشهورة، لكن من حيث التاريخ هي من أقدم المكتبات في المدينة هي (مكتبة النِّمْنِكاني) ؛ ابحثوا في المكتبة السلفية؛ وهذه الكتب هي أصول هذا الكتاب، والشباب ما عليهم إلا أنْ يرجعوا إلى تلك الكتب لأن الشيخ العلاّمة ابن القيِّم وإنْ كان ينقل كلام الفلاسفة لكن أسلوبه أسلوب صوفي ليس أسلوب فيلسوف، ليس أسلوب الفلاسفة؛ أسلوب الصوفية أقرب إلى الفهم، والأدب الصوفي أقرب إلى الفهم من أدب الفلاسفة؛ ارجعوا إلى هذه الكتب، وأنا أرجع معكم أبحث
ـ إنْ شاء الله ـ.