الصفحة 10 من 89

واحدةٍ، مسألةِ التسميَةِ في الصلاةِ، فالإمامُ مالِكٌ لا يَراها جَهْرًا ولا سِرًّا، وأم‍َّا الإمامُ الشافعيُّ معَ أنَّهُ تلميذُ مالِكٍ فيَذهبُ إلى الْجَهْرِ بها، والإمامُ أحمدُ يَذهبُ إلى أنَّهُ يُسَرُّ بها. مَسألةٌ واحدةٌ يعني: حَصَلَ فيها هذا الاختلافُ، ولكلٍّ دَلِيلُهُ واجْتِهَادُهُ.

كذلكَ مسألةُ القُنُوتِ في صلاةِ الفَجْرِ، يَرَى الشافعيَّةُ أنَّهُ يَقْنُتُ في كلِّ صلاةِ صُبْحٍ، وأنَّهُ سُنَّةٌ، ويَستدِلُّ بقولِهِ تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ؛ وذلكَ لأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الصلاةَ الوُسطَى هيَ صلاةُ الفَجْرِ، وأنَّ اللَّهَ أَمَرَ فيها بالقُنوتِ. وأمَّا الإمامُ أحمدُ فذَهَبَ إلى أنَّها صلاةُ العصْرِ، واستَدَلَّ بأحاديثَ. والخِلافُ كثيرٌ في الصلاةِ الوُسطَى، ولكنْ يعني: مجموعُ أقوالِهم أنَّها مِنْ جُمْلَةِ الصلواتِ الْخَمْسِ، واختلَفُوا في القُنوتِ في صلاةِ الصبْحِ مَثَلًا.

يقولُ: غالبُ ما يَصِحُّ عنهم مِن الخلافِ يَرْجِعُ إلى اختلافِ تَنَوُّعٍ لا اختلافِ تَضَادٍّ. يعني: أنَّهُ اختلافُ تَنَوُّعٍ، يعني: أنَّها أنواعٌ لا أنَّها أَضْدَادٌ، الضِّدَّانِ هما المُتَنَافِيَانِ اللَّذَانِ لا يُمْكِنُ الجمْعُ بينَهما. أمَّا التنوُّعُ فهوَ الذي يُمْكِنُ الجمْعُ بينَهما، أوْ يُقَالُ: هذا نَوْعٌ وهذا نَوْعٌ، مثلُ أنواعِ المأكولاتِ، يقُولُونَ: إنَّها أَجْنَاسٌ, تَحْتَ كلِّ جِنْسٍ أنْوَاعٌ، فمَثلًا إذا سَمِعْتَ بكلمةِ نَوْعٍ مِن التَّمْرِ يُقالُ لهُ: السُّكَّرِيُّ، تَسألُ: ما هوَ السُّكَّرِيُّ؟ فيُقَالُ: تَمْرٌ، وتَسْأَلُ: ما هوَ الْبُرْنِيُّ؟ فيُقَالُ: تَمْرٌ، ما هوَ الْبُرْحِيُّ؟ فيقالُ: تَمْرٌ، وما هوَ الإبْرَاهِيمِيُّ الصَّيْحَانِيُّ، العَجْوَةُ وأَشْبَهُهَا؟ فيُقَالُ: تَمْرٌ، أسماءٌ لِمُسَمًّى واحدٍ، ولكنْ لها أنواعٌ، فكُلُّ واحدٍ يُسَمَّى نوعًا.

فهذا اختلافُ التنوُّعِ بخِلافِ اختلافِ التضادِّ؛ فإنَّ كُلاًّ منهما غيرُ الآخَرِ، فإذا قيلَ: هذا لذيذُ الطعْمِ كالتَّمْرِ، قالَ الآخرُ: بلْ لذيذُ الطعْمِ كالسُّكَّرِ، قالَ الآخَرُ: بلْ لذيذُ الطعْمِ كالعِنَبِ، العِنَبُ والسُّكَّرُ والتمْرُ ونحْوُها مُتَضَادَّةٌ.

وبعدَ أنْ ذَكَرَ اختلافَ التنوُّعِ، واختلافَ التضادِّ، بَيَّنَ أنَّ اختلافَ التنوُّعِ صِنْفَانِ. نَقْرَأُ الآنَ، الصِّنْفَ الأَوَّلُ .. الصِّنْفُ الثاني نَقْرَؤُهُ غدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. أحدُهما: أنْ يُعَبِّرَ كُلُّ واحدٍ منهم عن المُرَادِ بعبارةٍ غيرِ عبارةِ صَاحبِهِ، يعني: كلُّ واحدٍ منهما يُفَسِّرُهُ بعبارةٍ، والمعنى واحدٌ، تَدُلُّ تلكَ العبارةُ على المعنى الموجودِ في الْمُسَمَّى، وذلكَ المعنى غيرُ المعنى الآخَرِ معَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى، الْمُسَمَّى واحدٌ، ولكنْ كُلٌّ منهما لهُ معنًى، يقولُ: تَدُلُّ على معنًى في المُسَمَّى غيرِ المعنى الآخَرِ معَ اتِّحَادِ المُسَمَّى بمنزلةِ الأسماءِ المُتَكَافِئَةِ. الأسماءُ المُتَكَافِئَةُ التي هيَ مُتقارِبَةٌ، هناكَ أسماءٌ مُترادِفةٌ، يعني: مُسَمًّى واحدٌ يعني: إذا قُلْتَ مَثلًا: هذا إنسانٌ، هذا رَجُلٌ، هذا بَشَرٌ، هذا شَخْصٌ، فهيَ أسماءٌ لِمُسَمًّى واحدٍ معَ أنَّها مُترادِفَةٌ، يعني: بَعْضُها يَنُوبُ عنْ بعضٍ. وأمَّا المتضادَّةُ فإذا قُلْتَ مَثلًا .. إذا قُلتَ: إنسانٌ، وإذا قُلْتَ: حيوانٌ، يُطلَقُ على الإنسانِ الحَيِّ حيوانٌ وعلى البَهَائِمِ، فتقولُ: هذا حَيَوَانٌ، هذا البعيرُ حَيَوَانٌ، وهذهِ الشاةُ حيوانٌ، وهذا السَّبُعُ حيوانٌ، وهذا الفيلُ حيوانٌ، فكلمةُ حيوانٍ أُطْلِقَتْ على هذهِ الأنواعِ معَ أنَّها مُتبايِنَةٌ، ولكنَّها اجْتَمَعَتْ في صِفةٍ واحدةٍ كالحياةِ، فهذا معنى التَّبَايُنِ.

وأمَّا التكَافُؤُ فهوَ التقارُبُ كما سيأتي في الأسماءِ، مَثَّلَ للتقاربِ للتكافؤِ بأسماءِ السَّيْفِ. ذَكَرَ بعضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ العربَ وَضَعَتْ للسيفِ أَلْفَ اسْمٍ، ووَضَعُوا للأسدِ خَمسَمِائةِ اسمٍ، ووَضَعُوا للثُّعبانِ مِائَتَي اسمٍ، فكُلَّما كانَ الشيءُ مَشهورًا عندَهم كانتْ مَكانتُهُ وشُهرتُهُ أَقْوَى أنْ يَهْتَمُّوا بهِ، ولكنَّ تلكَ الأسماءَ صفاتٌ، يُسَمَّى الصَّارِمَ والمُهَنَّدَ والمَسْلُولَ والحُسَامَ وما أَشْبَهَها، مُسَمًّى واحدًا، كذلكَ أيضًا أسماءُ اللَّهِ تعالى، الأسماءُ الحسنى وأسماءُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ وأسماءُ القرآنِ مُسَمَّاها واحدٌ، ولَكِنْ كُلُّ اسمٍ يَدُلُّ على صِفةٍ، ونَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ لهُ عِدَّةُ أسماءٍ، كلُّ اسمٍ يَدُلُّ على صِفةٍ؛ اللَّهُ تعالى لهُ الأسماءُ الحسنى، كلُّ اسمٍ يَدُلُّ على صِفةٍ، فهيَ مِنْ حيثُ الذاتُ مُترادِفَةٌ، ومِنْ حيثُ المعاني مُتكافئةٌ، أسماءُ اللَّهِ تعالى كُلُّها تَدُلُّ على مُسَمًّى واحدٍ، يعني: على الذاتِ، فليسَ دُعاؤُهُ باسمٍ مِنْ أسمائِهِ الحسنى مُضَادًّا لدعائِهِ باسمٍ آخَرَ، إذا دَعَوْتَ اللَّهَ تعالى بِـ: يا قديرُ، يا عَلِيمُ، يا جليلُ، يا كريمُ، فالْمَدْعُو واحدٌ، وكلُّ اسمٍ يَدُلُّ على معنًى، قالَ اللَّهُ تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} ، ذَكَرُوا أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهَ أَحيانًا ثمَّ يقولُ: (( يَا رَحْمَنُ ارْحَمْنَا ) )، فقالُوا: مُحَمَّدٌ يَدَّعِي أنَّ الإلهَ واحدٌ، وهوَ معَ ذلكَ يَدْعو اثنَيْنِ، فأَنْزَلَ اللَّهُ هذهِ الآيَةَ في سورةِ الإسراءِ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} ، فالمدْعُو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت