الصفحة 11 من 89

واحدٌ، وكلُّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللَّهِ تعالى يَدُلُّ على الذاتِ دَلالةَ مُطابَقَةٍ، ويَدُلُّ على الصفةِ التي تَضَمَّنَها الاسمُ دَلالةَ تَضَمُّنٍ، فالعليمُ يَدُلُّ على ذاتِ اللَّهِ تعالى، إذا قُلتَ مَثلًا: هذا تنزيلٌ مِن العليمِ الخبيرِ، هذا كلامُ العليمِ الخبيرِ، فإذا سَأَلَكَ إنسانٌ مَن العَلِيمُ؟ تقولُ: اللَّهُ، سَأَلَكَ آخَرُ: ما معنى العليمِ؟ فتقولُ: العالِمُ بكلِّ شيءٍ، فالأوَّلُ سألَكَ مَن العليمُ؟ فقُلْتَ: اللَّهُ، والثاني سَأَلَكَ عنْ معناهُ فقُلْتَ: الْمُتَّصِفُ بالعلْمِ، فالسؤلانِ عنْ معنى كلمةٍ واحدةٍ. القديرُ يَدُلُّ على الذاتِ والقُدرةِ، إذا قلتَ مَثلًا: هذا كلامُ القديرِ، مَن القديرُ؟ اللَّهُ، ما معنى القديرِ؟ ذُو القُدرةِ على كلِّ شيءٍ، وكذا الرحيمُ يَدُلُّ على الذاتِ والرحمةِ، إذا قُلْتَ مَثلًا: هذا تنزيلٌ مِن الرحمنِ الرحيمِ، سَأَلَكَ إنسانٌ مَن الرحمنُ الرحيمُ؟ تقولُ: اللَّهُ، ما مَعْنَى الرحمنِ الرحيمِ؟ تقولُ: واسعُ الرحمةِ.

فكلُّ اسمٍ منها دَلَّ على الذاتِ، ويُسَمَّى دَلالةَ مُطابَقَةٍ، ودَلَّ على الصفةِ الْمُشْتَقَّةِ منهُ ويُسَمَّى دَلالةَ تَضَمُّنٍ، ومَنْ أَنْكَرَ دَلالةَ أسماءِ اللَّهِ تعالى على صفاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظاهرَ، فقَوْلُهم مِنْ جِنْسِ قولِ غُلاةِ الباطنيَّةِ القَرامطةِ. الباطنيَّةُ: طائفةٌ مِنْ غُلاةِ الرافضةِ يُسَمَّوْنَ القَرامِطَةَ؛ نِسبةً إلى رَجُلٍ يُقالُ لهُ: حَمدانُ قُرْمُطٌ؛ وذلكَ لأنَّهُ تَلَقَّى هذا العلْمَ الذي هوَ عِلْمُ الباطنِ عنْ أَحَدِ دُعاةِ الباطنيَّةِ، فدَعَى إليهِ في القَطِيفِ وما حولَهُ، فاعْتَنَقَهُ خَلْقٌ كثيرٌ سُمُّوا قَرامطةً وباطنيَّةً، وهم الذينَ انْتَشَرُوا وتَمَكَّنُوا في أوَّلِ القرنِ الرابعِ، وقَتَلُوا الحُجَّاجَ في سنةِ ثلاثِمائةٍ وسبعةَ عشرَ في يومِ التَّرْوِيَةِ، والناسُ في الحَرَمِ الْمَكِّيِّ، قَتَلُوا خَلْقًا كثيرًا وقَلَعُوا الحجَرَ الأسودَ، وبَقِيَ عندَهم اثنَيْنِ وعشرينَ سنةً حتَّى ضَعُفَ أمْرُهم وطُولِبُوا بِرَدِّهِ، فَرَدُّوهُ في سَنَةِ تِسْعٍ وثلاثينَ وثلاثِمائةٍ.

هَؤُلاءِ القرامطةُ باطنيَّةٌ. مِنْ أقوالِهم يقولونَ: لا يُقالُ: اللَّهُ حَيٌّ، ولا ليسَ بِحَيٍّ. تعالى اللَّهُ عنْ قولِهم، بلْ يَنْفُونَ الضِّدَّيْنِ، لا نَقُولُ: عليمٌ ولا ليسَ بعليمٍ، لا نقولُ: قديرٌ ولا ليسَ بقديرٍ، لا نقولُ: رحيمٌ ولا ليسَ برحيمٍ، فيَنْفُونَ عنهُ الضِّدَّيْنِ، حتَّى إنَّ بعضَهم نَفَوا الضِّدَّيْنِ المُتقابلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَابُلُهُما تَقَابُلُ الوجودِ والعدَمِ، تقابُلُ السلْبِ والإيجابِ، حتَّى قالُوا: لا موجودَ ولا غيرَ موجودٍ، وهذا كُفْرٌ صريحٌ.

وهمْ مَوجودونَ، مَوجودٌ لهم بَقَايَا في كثيرٍ مِن الدُّوَلِ، يَنْفُونَ النقيضَيْنِ، أولئكَ القرامطةُ الباطنيَّةُ لا يُنكِرونَ اسمًا هوَ عَلَمٌ مَحْضٌ كالْمُضْمَراتِ، وإنَّما يُنكرونَ ما في أسماءِ اللَّهِ الحُسْنَى مِنْ صفاتِ الإثباتِ، لا يُنكرونَ الضمائرَ وإنَّما يُنكرونَ المعانيَ التي دَلَّتْ عليها الأسماءُ، فهم يَنفُونَ دَلالةَ كلِّ اسمٍ على مُسَمَّاهُ، فمَنْ وافَقَهم على مَقصودِهم كانَ معَ دَعواهُ الغُلُوَّ في الظاهرِ مُوافِقًا لغُلاةِ الباطنيَّةِ في ذلكَ. وليسَ هذا مَوْضِعَ بَسْطِ ذلكَ.

وقدْ تَوَسَّعَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الردِّ عليهم في كثيرٍ مِنْ كُتُبِهِ، حتَّى في المُخْتَصَراتِ تَعَرَّضَ لذلكَ في التَّدْمُرِيَّةِ كما قَرأْتُمُوهَا. هذا+ يقولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المقصودُ أنَّ كلَّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللَّهِ يَدُلُّ على ذاتِهِ، ويَدُلُّ على ما في الاسمِ مِنْ صفاتِهِ، ويَدُلُّ أيضًا على الصفةِ التي في الاسمِ الآخَرِ بطريقِ اللُّزُومِ. فعلى هذا كلُّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللَّهِ لهُ ثلاثُ دَلالاتٍ: دَلالةٌ على الذاتِ بالمُطَابَقَةِ، ودَلالةٌ على الصفةِ المُشتَقَّةِ منهُ بالتَّضَمُّنِ، ودَلالةٌ على بَقِيَّةِ الصفاتِ وبَقِيَّةِ الأسماءِ بالالتزامِ، فإذا قُلْنَا مَثَلًا: اسمُ الرحمنِ يَدُلُّ على الذاتِ مِنْ أسماءِ اللَّهِ تعالى، هذهِ دَلالةُ مُطابَقَةٍ، الرحمنُ تَدُلُّ على صفةِ الرحمةِ؛ لأنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن الرحمةِ، فهذهِ دَلالةُ تَضَمُّنٍ، يعني: أنَّهُ يَتَضَمَّنُ وَصْفَ اللَّهِ تعالى بالرحمةِ.

كذلكَ نقولُ: إذا كانَ رَحيمًا راحمًا لَزِمَ أنْ يكونَ سَميعًا، لَزِمَ أنْ يكونَ بصيرًا، لَزِمَ أنْ يكونَ حَيًّا، لَزِمَ أنْ يكونَ كريمًا، لَزِمَ أنْ يكونَ غَفُورًا، لَزِمَ أنْ يكونَ جَبَّارًا، لَزِمَ أنْ يكونَ قَهَّارًا؛ لأنَّ الرحمنَ واسعُ الرحمةِ، يَلْزَمُ وُجودُ تلكَ الكمالاتِ، فلا يكونُ رحيمًا وهوَ ليسَ بِغَنِيٍّ، ولا يكونُ رحيمًا وهوَ ليسَ بسميعٍ بصيرٍ، هذهِ تُسَمَّى دَلالةَ اللزومِ. هذا معنى قولِهِ: يَدُلُّ أيضًا على الصفةِ التي في الاسمِ الآخَرِ بطريقِ اللزومِ، بَيَّنَ ذلكَ العلماءُ في مَواضعَ كثيرةٍ في كتابِ (غير واضح) شَرْحِ الوَاسِطِيَّةِ لابنِ سَلْمَانَ وغيرِهِ مِن الكُتُبِ.

انتهى مِنْ أسماءِ اللَّهِ تعالى، يعني: باختصارٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت