الصفحة 12 من 89

ذِكْرُ أسماءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مثلِ مُحمَّدٍ وأحمدَ والمَاحِي والحاشرِ والعاقبِ. إذا قيلَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: هوَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ. مَنْ أحمدُ عندَ الإطلاقِ؟ هوَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ. مَن الْمَاحِي؟ هوَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، كذا الحاشرُ العاقبُ.

هذهِ مُطَابَقَةٌ، فدَلالةُ المطابَقَةِ هنا تعني بدَلالةٍ على الذاتِ، فإذا قيلَ: ما معنى مُحَمَّدٍ؟ فقيلَ: كثيرُ المحامِدِ، أوْ كثيرُ الْخِصالِ الحميدةِ، سُمِّيَ بهِ؛ لكثرةِ خِصالِهِ الحميدةِ. مَنْ أحمدُ؟ الذي يَحْمَدُ اللَّهَ دائمًا ويُثْنِي عليهِ. مَن الماحي؟ الذي مَحَا اللَّهُ تعالى بهِ الشِّرْكَ. مَن الحاشرُ؟ الذي يُحْشَرُ الناسُ على عَقِبَيْهِ. ما العاقبُ؟ الذي جاءَ عَقِبَ الأنبياءِ، وهوَ خاتَمُهم. فكلُّ اسمٍ لهُ دَلالةٌ على الذاتِ. مَنْ مُحَمَّدٌ+، العاقبُ هوَ الرسولُ، الحاشرُ ما مَعْنَاهُ؟ الذي يُحْشَرُ الناسُ على عَقِبِهِ.

كذلكَ أسماءُ القرآنِ، إذا قيلَ: ما القرآنُ؟ فتقولُ: هذا المكتوبُ في المصاحِفِ، ما معنى القرآنِ؟ تقولُ: الذي يُقرأُ ويُتْلَى، ما الفُرقانُ؟ تقولُ: كتابُ اللَّهِ، ما معنى الفُرقانِ؟ نقولُ: الذي فَرَقَ اللَّهُ بهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، ما الْهُدَى؟ نقولُ: كتابُ اللَّهِ {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} ، ما معنى الْهُدَى؟ تقولُ: الذي يَهْدِي اللَّهُ بهِ مَنْ شاءَ هِدايتَهُ، ما الشفاءُ؟ تقولُ: كتابُ اللَّهِ، ما معنى الشفاءِ؟ تقولُ: الذي جَعَلَهُ اللَّهُ شفاءً لِمَا في الصدورِ، ما البيانُ؟ تقولُ: كتابُ اللَّهِ، ما معناهُ؟ تقولُ: الذي بَيَّنَ اللَّهُ فيهِ الأحكامَ. وهكذا فكُلُّ اسمٍ لهُ دَلالةُ مطابَقَةٍ ودَلالةُ تَضَمُّنٍ.

يقولُ: فإذا كانَ مقصودُ السائلِ تَعيينَ الْمُسَمَّى، عَبَّرْنَا عنهُ بأيِّ اسمٍ كانَ، إذا قيلَ: ما الرحمنُ؟ قلنا: اللَّهُ، ما العزيزُ؟ اللَّهُ، ما العزيزُ؟ الرحمنُ، عَبَّرْنَا عنهُ بأيِّ اسمٍ كانَ يُعْرَفُ بهِ مُسَمَّى هذا الاسمِ. مَن الحاشرُ؟ محمَّدٌ، مَن العاقبُ؟ محمَّدٌ، ما المرادُ بالفُرقانِ؟ هوَ كتابُ اللَّهِ، عَبَّرْنَا باسمِ مَنْ هذا، قدْ يكونُ ذلكَ الاسمُ عَلَمًا، وقدْ يكونُ صِفَةَ العلَمِ، مِثْلَمَا قالَ ابنُ مالكٍ في الأَلْفِيَّةِ:

اسمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقَا عَلَمُهُ كجَعْفَرٍ وخِرْنِقَا

فالعَلَمُ ما يُعْلَمُ بهِ عينُ الْمُسَمَّى، يعني: كلُّ إنسانٍ يُسَمِّيهِ أَبواهُ عندَما يُولَدُ باسمٍ يَخْتَصُّ بهِ. فإذا قيلَ: ما اسْمُكَ؟ قالَ: اسمي مَثلًا سعيدٌ، اسمي سَعْدٌ، اسمي راشدٌ، ولكنْ هلْ يَدُلُّ هذا على أنَّهُ مُتَّصِفٌ بمعنى ذلكَ الاسمِ؟ لا يَدُلُّ، فَكَمْ مَنْ سُمِّيَ راشدًا وهوَ مِنْ أهلِ الغِوايَةِ، وكمْ ممَّنْ سُمِّيَ سَعدًا وليسَ مِنْ أهلِ السعادةِ، وإنَّما اسمٌ يُعَيِّنُه يَتعيَّنُ بهِ، هذا الاسمُ يُعْرَفُ بهِ، إذا قيلَ: مَنْ هذا؟ قيلَ: سعدٌ أوْ سعيدٌ أوْ طاهرٌ أوْ صادقٌ أوْ راشدٌ.

وقدْ يكونُ صِفةً، كمَنْ يَسألُ عنْ قولِ اللَّهِ تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} ، فيقولُ: ما ذِكْرُهُ؟ فلكَ جَوَابَانِ: أنْ تقولَ: هوَ القرآنُ، أوْ هوَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِن الكُتُبِ، فتَعَيَّنَ أنَّهُ هوَ هذا القرآنُ الموجودُ في الْمَصاحِفِ. الذِّكْرُ مَصْدَرٌ، والمصدَرُ تَارةً يُضافُ إلى الفاعلِ، وتارةً يُضافُ إلى المفعولِ، فيُقالُ: ذِكْرُ اللَّهِ يعني: كلامُ اللَّهِ، هذا أُضيفَ إلى الفاعلِ. وأمَّا إذا أُضيفَ إلى المفعولِ فيُقالُ: ما يَذْكُرُهُ بهِ العِبادُ، يعني: ذِكْرُ اللَّهِ ما تَذْكُرُونَهُ بهِ، إذا قيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ بالمعنى الثاني، كانَ ما يُذْكَرُ بهِ مِثلَ قولِ العبدِ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكبرُ) .

{مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} لهُ تفسيرانِ كما سَمِعْنَا، قيلَ: إنَّ المرادَ: مَنْ أَعْرَضَ عنْ ذِكْرِي يعني: كَلامِي، يعني: القرآنَ. وقيلَ: مَنْ أَعرَضَ عنْ ذِكري، يعني: غَفَلَ عنْ أنْ يَذْكُرَنِي، لمْ يَذْكُرْ ربَّهُ بالتسبيحِ والتحميدِ وما أَشْبَهَ ذلكَ، فإذا قيلَ بالمعنى الأوَّلِ؛ أيْ: عنْ كلامي، هذا هوَ الصحيحُ في هذهِ الآيَةِ مِنْ سورةِ طه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} .

فَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ: أَعْرَضَ عنْ ذِكْرِي، يعني: نَسِيَنِي ولا يَذْكُرُنِي، ولكنَّ الصحيحَ أنَّ المرادَ: غَفَلَ عنْ كلامي، ذِكْرِي يعني: ما أَذْكُرُهُ لَكُمْ، يعني: ما أَتَكَلَّمُ بهِ، والدليلُ على أنَّهُ أرادَ القرآنَ أنَّهُ قالَ قبلَ ذلكَ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} ، والهُدَى هوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت