القرآنُ، {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} ؛ أيْ: كلامي، {فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} ، هُداهُ: هوَ ما أَنْزَلَهُ مِنْ هذا الذِّكْرِ. ثمَّ قالَ بعدَ ذلكَ: {قَالَ رَبِّ لِمَا حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} ، آياتُهُ: هيَ كَلامُهُ.
هذا مِثالٌ، يَعنِي: مِثالٌ لهذا التفسيرِ، أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ {مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} قدْ يُرادُ بهِ ما أُذْكَرُ بهِ، وقدْ يُقالُ: ما أَذْكُرُهُ أنا؛ أيْ: ما أَتَكَلَّمُ بهِ.
ثمَّ يقولُ: المقصودُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ الذِّكْرَ هوَ كلامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ، أوْ هوَ ذِكْرُ العِبادِ لهُ، إذا قيلَ: {أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} يعني: نَسِيَنِي ولمْ يَذْكُرْنِي، أوْ أَعْرَضَ عنْ ذِكْرِي، يعني: عنْ كلامي ولم يَقْرَأْهُ ونَسِيَهُ، سواءٌ قيلَ: ذِكْرِي كتابي أوْ كلامي أوْ هُدَايَ مَثلًا كانَ الْمُسَمَّى واحدًا.
{مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} فَسَّرَهُ بعضُهم قالَ: مَنْ أَعْرَضَ عنْ كتابي، فَسَّرَهُ آخَرونَ: مَنْ أَعْرَضَ عنْ كلامي، فَسَّرَهُ آخَرونَ: مَنْ أَعْرَضَ عنْ هُدَايَ، فَسَّرَهُ آخَرونَ: مَنْ أَعْرَضَ عنْ بَيَانِي، يعني: عن القرآنِ، وهلْ هذهِ التفاسيرُ مُتبايِنَةٌ؟ بلْ هيَ بمعنًى واحدٍ.
يقولُ: وإنْ كانَ مقصودُ السائلِ مَعرفةَ ما في الاسمِ مِن الصفةِ الْمُخْتَصَّةِ بهِ، أيْ: مَعرفةَ معنى الاسمِ الذي لأَجْلِهِ سَمَّى الصفةَ المختَصَّةَ بهِ، كالرحمنِ الصفةُ المختَصَّةُ بهِ الرحمةُ، والعزيزِ الصفةُ المختصَّةُ بهِ العِزَّةُ، يقولُ: فلا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زائدٍ على تَعَيُّنِ المسمَّى، تَعَيُّنُ المسمَّى يَعْنِي تشخيصَ الْمُسَمَّى وتخصيصَهُ، فإذا كانَ يَقْصِدُ معنى ذلكَ الاسمِ ولماذا سُمِّيَ بهِ، مثلُ أنْ يَسألَ عن القدُّوسِ السلامِ المؤمِنِ، هوَ يَعرفُ أنَّها أسماءُ اللَّهِ، ولكنْ يَسألُ ما معنى قُدُّوسٍ؟ فيُقالُ: القُدُّوسُ الْمُقَدَّسُ، يعني: الْمُنَزَّهُ عن النقائصِ والعيوبِ، ما معنى السلامِ؟
"فمُرادُهُ ما معناهُ كونُهُ قُدُّوسًا سَلامًا مُؤمنًا، ونحوُ ذلكَ". هذهِ مُقَدِّمَةٌ، يقولُ: إذا عُرِفَ هذا فالسلَفُ رَحِمَهم اللَّهُ كثيرًا ما يُعَبِّرونَ عن المسمَّى بعبارةٍ تَدُلُّ على عينِهِ. تَدُلُّ على عينِهِ؛ أيْ: على عينِ ذلكَ الشخصِ أو الشيءِ، وإنْ كانَ فيهِ مِن الصفةِ ما ليسَ في الاسمِ الآخَرِ، كأنْ يقولَ: أحمدُ هوَ الحاشرُ والماحي والعاقِبُ، يعني: مَنْ أحمدُ؟ أحمدُ هوَ الحاشرُ، أحمدُ هوَ الذي يُحْشَرُ الناسُ على عَقِبِهِ، أحمدُ هوَ الماحي، أحمدُ هوَ العاقِبُ، أوْ يقالُ: القُدُّوسُ هوَ الغفورُ والرحيمُ، يعني: يَذْكُرونَ اسمًا مِنْ أسماءِ اللَّهِ، كما يقولون: القُدُّوسُ هوَ اللَّهُ، القُدُّوسُ هوَ الرحمنُ، القُدُّوسُ هوَ العزيزُ، القُدُّوسُ هوَ الغفورُ، القُدُّوسُ هوَ الرحيمُ؛ أيْ: أنَّ المسمَّى واحدٌ، لا أنَّ هذهِ الصفةَ هيَ تلكَ الصفةُ؛ فإنَّ صفةَ القدُّوسِ غيرُ صفةِ الغفورِ، كلٌّ منهما يُشْتَقُّ منهُ اسمٌ. وهذا ليسَ اختلافَ تَضَادٍّ -كما يَظُنُّهُ بعضُ الناسِ- ولكنَّهُ اختلافُ تَنَوُّعٍ.
ثمَّ ذَكَرَ مثالًا على ذلكَ، وهوَ تفسيرُهم للصراطِ المستقيمِ، الصراطُ المستقيمُ في سورةِ الفاتحةِ قيلَ: هوَ القرآنُ، وقيلَ: هوَ الإسلامُ، وقيلَ: هوَ النبيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وهلْ هذا اختلافٌ؟ الكُلُّ حَقٌّ؛ فإنَّ مَنْ هَداهُ اللَّهُ تعالى إلى القرآنِ سَلَكَ بهِ طريقَ النَّجَاةِ، ومَنْ هَداهُ إلى الإسلامِ سارَ على هُدًى، ومَنْ هَداهُ إلى طريقِ النبيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فهوَ على صراطٍ سَوِيٍّ، القرآنِ، الصراطُ القرآنُ أي اتِّباعُ القرآنِ هوَ الهدايَةُ.
واسْتَدَلَّ بما ذُكِرَ في حديثِ عَلِيٍّ الذي أَشَرْنَا إليهِ، حديثِ عَلِيٍّ الذي رواهُ التِّرمذيُّ وأبو نُعيمٍ. أبو نُعَيْمٍ صاحبُ الْحِليَةِ يَتساهَلُ في الْحِليَةِ في روايَةِ أحاديثَ ضعيفةٍ، ورَواهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ولكنَّ مَدارَهُ كما قُلْنَا الحارثُ الأعورُ، وفيهِ أنَّ الحديثَ يقولُ: (( هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ) )، قدْ ذَكَرْنا دَلالةَ هذا، يعني: الدَّلالةَ على أنَّ القرآنَ هوَ الحبلُ، وهوَ الذكْرُ، وهوَ الصراطُ، فَسَّرَهُ آخَرونَ قالوا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ} يعني: الإسلامَ، فاسْتَدَلُّوا بحديثٍ أَصَحَّ، هوَ حديثٌ عن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ رواهُ التِّرمذيُّ وغيرُهُ، ولَفْظُهُ: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) )، يعني: طريقًا مُستقيمًا، (( وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ ) )، يعني: سُورٌ مِنْ هنا، وسُورٌ مِنْ هنا، مُرْتَفِعٌ هذا السُّورُ. (( وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ ) )، يعني: بابٌ مِنْ