الصفحة 14 من 89

هنا، وبابٌ مِنْ هنا، وبابٌ منْ هنا، أبوابٌ مُفَتَّحَةٌ، (( وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ ) )، سَتَايِرُ, على كلِّ بابٍ سِتارةٌ تَسْتُرُهُ، (( سُتُورٌ مُرَخَّاةٌ وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ ) )، يعني: واقفٌ على الصراطِ، يقولُ: أيُّها النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ، اسْلُكُوا الصِّرَاطَ، ولا تَعْوَجُّوا، وداعٍ يَدعو على رأسِ الصراطِ، كُلَّمَا أرادَ أَحَدٌ أنْ يَدخلَ مِنْ تلكَ الأبوابِ أوْ يَفتحَها يقولُ: وَيْحَكَ لا تَفتَحْهُ؛ فإنكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، ومَنْ وَلَجَهُ سَقَطَ؛ لأنَّ هذا الصراطَ هوَ الذي يُوَصِّلُ إلى الجنَّةِ، والذينَ يَفْتَحُونَ ويَدخلونَ معَ هذهِ السُّتورِ يَكشِفُ الستارةَ، ويَفتحُ هذا البابَ يَسقطُ؛ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ.

يقولُ: فالصراطُ: هوَ الإسلامُ، الصراطُ هوَ طريقُ الإسلامِ، والسورانِ .. هذهِ الأسوارُ حُدودُ اللَّهِ، يعني: العُقوباتُ التي جَعَلَها على المعاصي زَواجرَ، والأبوابُ المفَتَّحَةُ المحارِمُ الْمُحَرَّمَاتُ: هذا بابُ الزِّنا، وهذا بابُ الرِّبا، وهذا بابُ الغناءِ، مَحارِمُ اللَّهِ.

والداعي على الصراطِ كتابُ اللَّهِ، جَعَلَهُ داعيًا، ادْخُلُوا الصراطَ ولا تَعْوَجُّوا، والداعي فوقَ الصراطِ واعظُ اللَّهِ في قَلْبِ كلِّ مؤمنٍ، يعني: الوُعَّاظُ الذينَ يَعِظُونَ ويُذَكِّرونَ، يقولُ أحدُهم: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ؛ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، يعني: إذا دَخَلْتَ معَ هذهِ الْمُحَرَّمَاتِ. نقولُ: هذانِ قولانِ: إنَّ الصراطَ المستقيمَ هوَ القرآنُ، أوْ إنَّ الصراطَ المستقيمَ هوَ الإسلامُ، وكلُّ واحدٍ عليهِ دليلٌ. فهذانِ القولانِ مُتَّفِقَانِ ليسَ بينَهما تَضَادٌّ؛ لأنَّ دِينَ الإسلامِ هوَ اتِّباعُ القرآنِ، ومَن اتَّبَعَ القرآنَ فإنَّهُ على الصراطِ السَّوِيِّ.

ولكنْ كلٌّ منهما نَبَّهَ على وَصْفٍ غيرِ الوَصْفِ الآخَرِ، يعني: الذينَ فَسَّرُوهُ بأنَّهُ القرآنُ قالوا: القرآنُ هوَ الصراطُ، معلومٌ أنَّ مَن اتَّبَعَهُ بأنَّهُ على الصراطِ، والذينَ قالوا: هوَ الإسلامُ، معلومٌ أنَّ الإسلامَ مأخوذٌ مِن القرآنِ ومِن السُّنَّةِ لهُ، الصراطُ يُشْعِرُ بوَصْفٍ ثالثٍ، يعني: يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ الصراطُ بأنَّهُ السُّنَّةُ والجماعةُ. قولُ مَنْ قالَ: هوَ السُّنَّةُ والجماعةُ، يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بأنَّهُ طريقُ العُبوديَّةِ، يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بأنَّهُ طاعةُ اللَّهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، فهلْ هذهِ الأقوالُ مُتبايِنَةٌ؟ لَيْسَتْ مُتَبَايِنَةً، الصراطُ المستقيمُ يَعُمُّها كُلَّها.

يقولُ: هؤلاءِ الذينَ فَسَّرُوا الصراطَ بأنَّهُ الإسلامُ، وبأنَّهُ القرآنُ، وبأنَّهُ السُّنَّةُ والجماعةُ، وبأنَّهُ طريقُ العبوديَّةِ، وبأنَّهُ طاعةُ اللَّهِ ورسولِهِ، وبأنَّهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ ليسَ بينَهم اختلافٌ، يقولُ: كلٌّ منهم أشارَ إلى ذاتٍ واحدةٍ، ولكنْ وَصَفَها كلُّ واحدٍ منهم بصفةٍ مِنْ صفاتِها. هذا هوَ الصِّنْفُ الأوَّلُ الذي هوَ نوعٌ مِنْ أنواعِ التفاسيرِ التي فَسَّرَها السلَفُ. نَقِفُ على الصِّنْفِ الثاني إنْ شاءَ اللَّهُ. واللَّهُ أَعْلَمُ، وصَلَّى اللَّهُ على مُحَمَّدٍ.

سؤالٌ: أَحْسَنَ اللَّهُ إليكم، يقولُ السائلُ: هلْ هناكَ فَرْقٌ بينَ قَواعِدِ التفسيرِ وأُصُولِ التفسيرِ؟

جوابٌ: أصولُ التفسيرِ خاصَّةٌ بعلومِ القرآنِ، يعني: مثلُ البَحْثِ في الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ، والبَحْثِ في نُزولِ الوحيِ، وكيفَ نَزَلَ الوحيُ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، والبحثِ عن القرآنِ، متى كُتِبَ ومتى نُسِخَ، والبحْثِ عنْ أَئِمَّةِ المُفسِّرينَ، وعن التفاسيرِ التي فُسِّرَ بها القرآنُ، وأيُّها أحسَنُ، فهيَ علومٌ كثيرةٌ تَتعلَّقُ بالقرآنِ، وأَجْمَعُ مَنْ كَتَبَ فيها الزَّرْكَشِيُّ صاحبُ البرهانِ, مطبوعٌ في أربعِ مُجَلَّدَاتٍ، وكذلكَ تِلميذُهُ السيوطيُّ في الإتقانِ؛ فإنَّهُ أيضًا تَوَسَّعَ في ذلكَ، وقَبْلَهُم مُؤَلَّفاتٌ كثيرةٌ، ومِن المتأخِّرينَ صاحبُ مَناهلِ العِرفانِ؛ فإنَّهُ أيضًا تَوَسَّعَ في ذلكَ في مُجَلَّدَيْنِ.

سؤالٌ: أَحْسَنَ اللَّهُ إليكم ونَفَعَنَا بعِلْمِكُم. يقولِ السائلُ: ما هيَ كُتُبُ التفسيرِ التي تَنْصَحُونَ طالبَ العلْمِ بالابتداءِ بها؟

جوابٌ: أَنْصَحُ بتفسيرِ ابنِ جريرٍ وابنِ أبي حاتمٍ؛ لأنَّهُما يُفَسِّرَانِ بالمأثورِ، وتفسيرِ ابنِ كثيرٍ وتفسيرِ البَغَوِيِّ، وإنْ كانَ ابنُ جريرٍ والبَغَوِيُّ فيهِ شيءٌ مِن الإسرائيليَّاتِ. ومِن المتأخِّرينَ تفسيرُ ابنِ السعديِّ تفسيرٌ بالاستنباطِ، كذلكَ للشيخِ الجزائريِّ أيضًا تفسيرٌ، هذهِ تفاسيرُ سليمةٌ، ونُحَذِّرُهُ مِنْ تفاسيرِ المبتدِعةِ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ، مِن المتقدِّمينَ تفسيرُ المَاوَرْدِيِّ. ومعلومٌ أنَّهُ قريبٌ أنْ يُوصَفَ بالاعتزالِ، وكذلكَ الزَّمخشريُّ وإنْ كانَ يَتَسَتَّرُ باعتزالِهِ، فيُدْخِلُ الاعتزالَ مَداخلَ خَفِيَّةً، حتَّى قالَ لِيُلْقَى: أَخْرَجْتُ الاعتزالَ مِن الكَشَّافِ بالْمَناقِيشِ. يعني: بأشياءَ خَفِيَّةٍ. كذلكَ تفاسيرُ المتأخِّرينَ الذينَ فَسَّرُوا بما ظَهَرَ لهمْ تفسيرًا فيهِ أغلاطٌ، مثلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت