الصفحة 3 من 89

وكذلكَ العِبادةُ. مِن العِبادةِ الاستعانةُ والاستغفارُ، مِن العِبادةِ الاستعاذةُ باللَّهِ مِنْ شُرورِ الأنفُسِ وسَيِّئَاتِ الأعمالِ، مِن الثناءِ على اللَّهِ تعالى أنَّهُ لا هَادِيَ لِمَنْ أَضَلَّ، ولا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَى، كذلكَ أيضًا الشهادةُ للَّهِ تعالى بالوحدانيَّةِ، ولنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ بالرسالةِ، كذلكَ الصلاةُ عليهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ والتسليمُ.

بعدَ ذلكَ ذَكَرَ أنَّهُ سَأَلَهُ بعضُ الإخوانِ، يعني: بعضُ تلاميذِهِ أوْ أصدقائِهِ، أنْ يَكْتُبَ لهم مُقَدِّمَةً تَتَضَمَّنُ قواعدَ كُلِّيَّةً تُعِينُ على فَهْمِ القرآنِ ومَعرفةِ تفسيرِهِ ومَعانيهِ. سُمِّيَتْ قواعدَ؛ لأنَّها تُقَعِّدُ لِمَا بَعْدَها، وقدْ كَتبَ العلماءُ أيضًا في القواعدِ، منهم مِن المُتَأَخِّرينَ الشيخُ: عبدُ الرحمنِ بنُ سَعْدِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ، فلهُ القواعدُ الْحِسانُ في تفسيرِ القرآنِ. وكذلكَ تَعَرَّضَ لذلكَ الذينَ كَتَبُوا في أُصُولِ التفسيرِ كصاحبِ البُرهانِ، وصاحبِ الإتْقَانِ، وغيرِهم.

وذَكَرَ أنَّها تُعينُ على فَهْمِ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ أُنْزِلَ ليُعْمَلَ بهِ، ومِن المعلومِ أنَّ العملَ بهِ يَتَوَقَّفُ على فَهْمِهِ؛ على فَهْمِ مَعانيهِ ومَعرفةِ دَلالاتِهِ. والإنسانُ الذي لا يَفهمُ, لا يَدْرِي كيفَ يَعملُ، فَمَثلًا لوْ سَمِعَهُ إنسانٌ أَعْجَمِيٌّ فإنَّهُ لا يَدْرِي ما مَعناهُ، ولا يُمكِنُ أنْ يُطَبِّقَهُ ويَعملَ بهِ حتَّى يُبَيَّنَ لهُ بلُغَتِهِ التي يَفهمُها، فالقواعدُ التي تُعِينُ على فَهْمِهِ ممَّا يُعْتَنَى بها، وكذلكَ على مَعرفةِ تفسيرِهِ ومعانيهِ؛ التفسيرُ الإيضاحُ والمعاني المحتوياتُ، وكذلكَ التَّمْيِيزُ في مَنقولِ ذلكَ ومعقولِهِ، يَعْنِي: أنَّ الْمُفَسِّرِينَ كثيرٌ منهمْ فَسَّرُوهُ بالمعقولِ، واقْتَصَروا على ما يَفْهَمُونَهُ دُونَ أنْ يَذْكُرُوا شيئًا مِن النقولِ، إنَّما يَعْتَمِدُونَ على فَهْمِهِم، منهم مِن المُعْتَزِلةِ صاحبُ الكَشَّافِ الذي هوَ الزَّمَخْشَرِيُّ، إلاَّ أنَّهُ في آخِرِ كلِّ سورةٍ يَذْكُرُ بعضًا مِنْ حديثٍ مَوْضُوعٍ في فَضائلِ السُّوَرِ، وهوَ الحديثُ الذي رُوِيَ عنْ أُبَيٍّ وهوَ مَكذوبٌ، ومنهم أبو السُّعُودِ؛ تَفسيرُهُ أيضًا تَفسيرٌ بالرَّأْيِ لا يَذْكُرُ فيهِ شيئًا مِن المنقولِ.

وأمَّا الذينَ يَذْكُرُونَ المنقولَ كابنِ جَريرٍ وابنِ أبي حاتمٍ وابنِ كثيرٍ، وكذلكَ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المنثورِ، وكذلكَ الشَّوْكَانِيُّ، فهؤلاءِ يُفَسِّرُونَهُ بالمنقولِ غالبًا. فالتمييزُ في مَنقولِ ذلكَ وَمَعقولِهِ مِمَّا يُهِمُّ المسلمَ في مَعرفةِ كتابِ اللَّهِ تعالى؛ فإنَّ تلكَ المعقولاتِ فيها حَقٌّ وباطلٌ, لا بُدَّ مِن التمييزِ بينَ الحقِّ وبينَ أنواعِ الأباطيلِ، كيفَ يُمَيِّزُ بينَ ذلكَ بفَهْمِهِ وبما يَقْرَأُهُ؟ والتنبيهُ على الدليلِ الفاصلِ بينَ الأقاويلِ، الدليلِ الذي يُعْتَبَرُ فاصلًا مُمَيِّزًا بينَ الأقاويلِ، ذَكَرَ أنَّ الكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ للتفسيرِ مَشْحُونةٌ بالغَثِّ والسمينِ والباطلِ الواضحِ والحقِّ الْمُبِينِ، فالذينَ يَذْكُرونَ الأسانيدَ يَسْلَمُونَ مِن العُهْدَةِ، كابنِ جَريرٍ وابنِ أبي حاتمٍ، وأمَّا الذينَ يَذْكُرُونَها بدُونِ أسانيدَ [تَنبيهٍ] [1] فإنَّهُم يُوقِعُونَ القارئَ في الْحَيْرَةِ، ورُبَّما أَضَلُّوهُ، ورُبَّما وَقَعَ في العملِ بالأكاذيبِ ونحوِها، وسَيأتِي ذِكْرُ بعضِهم.

"العلْمُ إمَّا نَقْلُ مُصَدَّقٌ عنْ مَعْصُومٍ"يعني: عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ،"وإمَّا قولٌ عليهِ دليلٌ معلومٌ"يعني: قولٌ لبعضِ الصحابةِ أوْ لبعضِ التابعينَ، إنْ ذَكَرَ عليهِ دليلًا معلومًا فهذا هوَ العلْمُ الصحيحُ. (وما سِوَى هذا فإنَّهُ مُزَيَّفٌ مَردودٌ) ، الزَّيْفُ: هوَ الباطلُ ويَجِبُ رَدُّهُ.

"وإمَّا موقوفٌ لا يُعلَمُ أنَّهُ بَهْرَجٌ ولا مَنقودٌ"، كلامٌ موقوفٌ على فلانٍ لا يُعلَمُ أنَّهُ صحيحٌ ولا ضعيفٌ. (حاجةُ الأمَّةِ ماسَّةٌ إلى فَهْمِ القرآنِ الذي هوَ حَبْلُ اللَّهِ المتينُ، والذكْرُ الحكيمُ، والصراطُ المستقيمُ) ، هذا استنباطٌ مِنْ حديثِ عَلِيٍّ الذي في سُنَنِ التِّرمذيِّ، الحديثِ الطويلِ الذي رواهُ الحارثُ الأَعْوَرُ عنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: مَا الْمُعْتَمَدُ؟ فذَكَرَ هذهِ الصفاتِ في القرآنِ فقالَ: (( عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ

(1) ربما تكون تبينه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت