الصفحة 6 من 89

ابتَدَأَ في هذا الفصلِ بنفسِ المقدِّمَةِ، وهيَ السببُ في البحثِ عنْ معاني القرآنِ؛ وذَكَرَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ كما عَلَّمَهم ألفاظَ القرآنِ فقدْ عَلَّمَهم معانيَهُ وشَرَحَهُ لهم، بَيَّنَ لأصحابِهِ معانيَ القرآنِ وألفاظَهُ، قالَ اللَّهُ تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، فهوَ يَتناوَلُ هذا وهذا، يَتناوَلُ المعانيَ ويَتناوَلُ الألفاظَ.

ولا شَكَّ أنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم فُصَحَاءُ، يَعرِفونَ القرآنَ بِمُجَرَّدِ نُزولِهِ وسَماعِهِ؛ لأنَّهُ نَزَلَ بلُغَتِهم، ولأنَّهُم يَفْهَمُونَ اللُّغَةَ فَهمًا جَيِّدًا، فلمْ يَكُونُوا يَسأَلُون عنْ معنى كلِّ آيَةٍ، بل الآياتُ الواضحةُ يَعرِفونَ دَلالتَها، ولكنْ هناكَ ما يَحتاجُ إلى بيانٍ، كالأشياءِ الْمُجْمَلَةِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أَجْمَلَ مَثلًا ذِكْرَ الصلاةِ في قولِهِ: {وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ} ، وذَكَرَ بعضَ أَركانِها كقولِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ، وكقولِهِ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} .

ولكنْ بَقِيَ تفاصيلُ كثيرةٌ ما ذُكِرَتْ في القرآنِ، بَيَّنَها النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ في سُنَّتِهِ كما هوَ معروفٌ، لمْ يُذْكَرْ في القرآنِ أنَّ عَدَدَ الصلواتِ خَمْسٌ، ولا عَدَدُ ركعاتِ كلِّ صلاةٍ، ولا مِقدارُ الركْنِ والواجبِ، ولا الأذْكَارُ التي تُقالُ في الصلواتِ؛ الركوعِ والسجودِ، ولا القراءةُ الواجبةُ، كلُّ ذلكَ أُخِذَ مِنْ بيانِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، كذلكَ الزكاةُ والصيامُ والحَجُّ، وما أَشْبَهَهَا بَيَّنَها النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ بسُنَّتِهِ، وكذلكَ تَحَمَّلَها عنهُ صَحَابَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وبَيَّنُوهَا أيضًا لأَتْبَاعِهِمْ.

اسْتَدَلَّ بكلامِ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ. أبو عبدِ الرحمنِ: هوَ القارئُ المشهورُ تَجِدُونَهُ مَذكورًا في المصاحِفِ في آخِرِ كلِّ مُصْحَفٍ، يقولونَ: طُبِعَ هذا الْمُصْحَفُ على ما يُوافِقُ روايَةَ حَفْصِ بنِ سُليمانَ الكُوفيِّ، عنْ عاصمِ بنِ أبي النَّجُودِ، عنْ أبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللَّهِ بنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيِّ، أحَدِ التابعينَ المشهورينَ، يقولُ: حَدَّثَنا الذينَ كانوا يُقْرِءُونَنَا القرآنَ. عَدَّ منهم عثمانَ، وكانَ مِنْ حَملةِ القرآنِ، كانَ عُثمانُ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ يَخْتِمُ القرآنَ كلَّ ليلةٍ، يَعْنِي يَبدأُ في أَوَّلِ الليلِ ويَخْتِمُ في آخِرِهِ في رَكعةٍ واحدةٍ، ممَّا يَدُلُّ على أنَّ اللَّهَ سَهَّلَ عليهِ القرآنَ حتَّى لا يَصْعُبَ عليهِ. يقولُ بعضُ التابعينَ: إنِّي صَبَرْتُ عثمانَ لَيْلَةً وهوَ قائمٌ ليُصَلِّيَ، فكانَ يَستَمِرُّ في القراءةِ ثمَّ يَسْجُدُ ثمَّ يَقومُ ويَسْتَمِرُّ في القيامِ ثمَّ يَسْجُدُ، وإذا هيَ سَجَداتُ القرآنِ لا يَقطَعُ قيامَهُ إلاَّ بسَجداتِ القرآنِ.

وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ كانَ أيضًا مِن الْحَفَظَةِ للقرآنِ، يقولُ: ما نَزَلَتْ آيَةٌ إلاَّ وأنا أَعْلَمُ أينَ نَزَلَتْ وفيما نَزَلَتْ، ولوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بالقرآنِ تَصِلُهُ الإبلُ لرَحَلْتُ إليهِ. وفي الحديثِ، أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: (( خُذُوا الْقُرْآنَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ ) )، فبَدَأَ بهِ، وهوَ ابنُ مسعودٍ ... إلى آخِرِهِ. يقولُ: إنَّهُم كانوا إذا تَعَلَّمُوا مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ عَشْرَ آياتٍ لمْ يَتجاوَزُوها حتَّى يَتَعَلَّمُوا ما فيها، لا يَتَعَلَّمُونَ عَشْرَ آياتٍ حِفْظًا إلاَّ وتَعَلَّمُوا مَعانيَها وما فيها، قالُوا: فتَعَلَّمْنَا القرآنَ والعلْمَ والعملَ جميعًا. القرآنَ يعني: لَفْظَهُ، والعلْمَ يعني: تَعَلُّمَ مَعانِيهِ، والعملَ يعني: التطبيقَ، يعني: مِن اهتمامِهم بهِ أنَّهُم يَتَعَلَّمُونَ ألفاظَهُ ومَعانيَهُ والعملَ بهِ، فيَبْقَوْنَ مُدَّةً طويلةً في حِفْظِ السورةِ؛ ولأنَّهُم كانوا يَتَعَلَّمُونَهُ حِفظًا في عهْدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ما كَانَت المصاحِفُ موجودةً، إنَّما يُمْلِيهِ عليهم إملاءً، فبعضُهم يَكْتُبُ السورةَ أو الآياتِ في صحيفةٍ، ورُبَّما لا يَجِدُونَ إلاَّ أنْ يَكتبُوهَا في عِظامٍ أوْ نحوِها، ثمَّ بعدَ ذلكَ تُكَرَّرُ حتَّى تُحْفَظَ مِنْ ذلكَ اللوحِ، أوْ مِنْ تلكَ الصحيفةِ، ثمَّ يُكْتَبُ مكانَها وهكذا.

يقولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: كانَ الرجلُ إذا قَرَأَ البقرةَ وآلَ عِمرانَ جَلَّ في أَعْيُنِنَا. يعني: عَظُمَ قَدْرُهُ، إذا حَفِظَ هاتَيْنِ السورتَيْنِ، وهما نَحْوُ أربعةِ أجزاءٍ إلاَّ رُبُعًا، قَدْرُهُ يعني: مَكَانَتُهُ؛ وذلكَ لأنَّ في سورةِ البقرةِ أكثرَ الأحكامِ؛ ففيها ذِكْرُ الْحَجِّ، وفيها ذِكْرُ الصيامِ والنَّفَقَاتِ، وذِكْرُ الطلاقِ والرَّجْعَةِ وذِكْرُ الرضاعةِ، وذِكْرُ النفقاتِ وما أَشْبَهَ ذلكَ، وكذلكَ آلُ عِمرانَ أيضًا فيها كثيرٌ مِن القَصَصِ ومِن الأحكامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت