الصفحة 7 من 89

ثمَّ قالَ:"أقامَ ابنُ عُمَرَ في حِفْظِ سورةِ البقرةِ عِدَّةَ سنينَ، قيلَ: ثمانَ سنينَ"يعني: في حِفْظِها حِفْظًا قَوِيًّا، وكذلكَ أيضًا في تطبيقِها والعملِ بها، أقامَ هذهِ الْمُدَّةَ، يُكَرِّرُها في حياةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ولا شَكَّ أيضًا أنَّهُ يَقْرَأُ معَهَا غيرَها، يَقرأُ معَهَا غيرَها مِن السُّوَرِ، ولكنَّهُ لمْ يَتَجَاوَزْها حتَّى أَتْقَنَها في هذهِ الْمُدَّةِ.

ثمَّ قالَ:"وذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى قالَ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ". التدَبُّرُ: التعَقُّلُ. وقالَ: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ، وقالَ: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} ، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} . ولا يكونُ التدَبُّرُ بِدُونِ فَهْمِ المعاني، فتَدَبُّرُ القرآنِ بدونِ فَهْمٍ لا يَحْصُلُ ولا يُمْكِنُ، فالتدَبُّرُ هوَ تَعَلُّمُ ألفاظِهِ وتَعَلُّمُ مَعانيهِ، قالَ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ؛ أيْ: تَتَعَقَّلُونَهُ وتَفْهَمُونَ مَعانِيَهُ. عَقْلُ الكلامِ يَتضمَّنُ فَهْمَهُ، والعقلُ الحقيقيُّ هوَ الذي يَتَضَمَّنُ فَهْمَ مَعانيهِ.

ومِن المعلومِ أنَّ كلَّ كلامٍ فالمقصودُ منهُ فَهْمُ مَعانيهِ دونَ مُجَرَّدِ ألفاظِهِ، وقدْ سَمِعْتُ بعضَ مَشَائِخِنَا يقولُ: إنَّ حِفْظَ الكلامِ بدُونِ فَهْمٍ لمعانيهِ كالجسَدِ الْمَيِّتِ، يعني: كما لوْ حَمَلْتَ جَسَدًا مَيِّتًا ليسَ فيهِ رُوحٌ، لوْ حَمَلْتَ مَثلًا سَخْلَةً مَيِّتَةً، حَمَلْتَهَا على مَنْكِبَيْكَ تَعِبْتَ، ثمَّ لوْ حَمَلْتَهَا على الْمَنْكِبِ الثاني قَليلًا ثمَّ تَتْعَبُ وتَرْمِي بها، بخِلافِ ما إذا فَهِمْتَ مَعناهُ؛ فإنَّهُ كالجسَدِ الحيِّ الذي يَمْشِي معكَ ويُعينُكَ ويُكَلِّمُكَ، فهوَ مَعكَ لا تَحْمِلُ منهُ هَمًّا، هذا مِثالٌ.

ولا شَكَّ أنَّ فَهْمَ مَعانيهِ يُفيدُ العملَ بهِ؛ فإنَّ الذي لا يَفهمُهُ كيفَ يُمْكِنُ أنْ يَعملَ بهِ؟ فإذا كانَ هذا في مُطْلَقِ كلامٍ، فالقرآنُ أَوْلَى بذلكَ، والعادَةُ تَمنعُ أنْ يَقرأَ قومٌ كِتابًا في فَنٍّ مِن العلْمِ كالطبِّ والحسابِ ولا يَسْتَشْرِحُوهُ، وهذا أمرٌ مُعتادٌ؛ لوْ أنَّ طَبيبًا مَثلًا أُعْطِيَ كتابًا يَتعلَّقُ بالطبِّ، ثمَّ لمْ يَفْهَمْهُ، ولمْ يَدْرِ ما مُحتواهُ، فإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَذهبَ إلى طبيبٍ أَعْلَمَ منهُ، ويَطلُبَ منهُ إيضاحَ هذا الكتابِ وشَرْحَهُ لهُ، يقولُ: اشْرَحْهُ لي حتَّى أَفهمَ ما هذا العلاجُ وكيفَ، وما هذا المُسَمَّى أوْ هذا الدواءُ؟ وكيفَ يُستعمَلُ؟ وما أَشْبَهَ ذلكَ، وكذلكَ كتابٌ مَثَلًا في الحسابِ الذي لا يَعْرِفُهُ لا يَستفيدُ منهُ حتَّى يَذهبَ إلى مَنْ هوَ أَعرفُ منهُ ويَطلُبَ منهُ. كيفَ أَحمِلُ هذا الكتابَ وأنا لا أستفيدُ منهُ ولا أَدْرِي ما معناهُ؟ يَطْلُبُ مَنْ يَشرحُهُ، كلامُ اللَّهِ لا بُدَّ أنْ يكونَ أَوْلَى بالاهتمامِ؛ فإنَّهُ عِصمةُ المسلمينَ، قالَ تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} ؛ أيْ: يَتَمَسَّكُوا بهِ؛ إذْ بهِ نَجاتُهم وسعادتُهم، يعني: نَجاتُهم مِن العذابِ وسعادتُهم في دُنياهُمْ وفي أُخْرَاهُمْ. وبهِ قيامُ دِينِهم ودُنياهُمْ، يعني: أُمُورِهم التي يَقومونَ بها في هذهِ الحياةِ، في الدِّينِ والدنيا، ففَهْمُهَا ومَعرفتُها يَتَوَقَّفُ على مَعرفةِ آياتِ الكتابِ.

وذِكْرُ النزاعِ بينَ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم في تفسيرِ القرآنِ قليلٌ جِدًّا، ولعلَّ السببَ أنَّهُم فَهِمُوا مَعانِيَهُ بِمُجَرَّدِ نزولِهِ؛ وذلكَ لأنَّهُم قومٌ فُصحاءُ فلم يَكُونوا يَخْتَلِفُونَ في آياتِ القرآنِ إلاَّ قليلًا، وهوَ في التابعينَ أكثرُ منهُ في الصحابةِ؛ وذلكَ لأنَّ في التابعينَ كثيرًا مِنْ غيرِ العربِ، يعني: مِن الموالي دَخَلوا في الإسلامِ وأُعْتِقُوا وتَوَلَّوا التفسيرَ بالنقلِ، فمَثلًا كُرَيْبٌ وعِكرمةُ ومُجاهدٌ وعطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، هؤلاءِ مِن التابعينَ، وهمْ مِن الموالي, مَنَّ اللَّهُ عليهم بالعلْمِ، فكانوا عُلماءَ معَ أنَّهُم ليْسُوا أَصْلًا مِن العربِ.

يقولُ:"وإنْ كانَ في التابعينَ أكثرُ منهُ في الصحابةِ فهوَ أيضًا قليلٌ في التابعينَ بالنِّسبةِ إلى مَنْ بعدَهم"، بالنِّسبةِ إلى تابعِي التابعينَ ومَنْ بعْدَهم، كُلَّمَا كانَ العصرُ أشرَفَ كانَ الاجتماعُ والائتلافُ والعلْمُ والبيانُ فيهِ أكثرَ، عَصْرُ الصحابةِ أَشرفُ، فاجتماعُهم وائتلافُهم أكثرُ، وعِلْمُهم وبيانُهم فيهِ أكثرُ، يقولونَ: التابعونَ مَنْ تَلَقَّوا التفسيرَ عن الصحابةِ، يَعني تَتَلْمَذُوا على الصحابةِ. قالَ مُجاهدٌ: عَرَضْتُ المصحَفَ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ. في بعضِ الرِّواياتِ ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ في مُقَدِّمَةِ التفسيرِ: عَرَضْتُ المصحَفَ على ابنِ عَبَّاسٍ ثلاثَ عَرَضَاتٍ، أُوقِفُهُ عندَ كلِّ آيَةٍ وأسألُهُ عنها. أَخَذَ التفسيرَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ثلاثَ مَرَّاتٍ، يُوقِفُهُ عندَ كلِّ آيَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت