الصفحة 85 من 89

وقالَ شُعبةُ: عن عمرِو بنِ مُرَّةَ قالَ: سألَ رجلٌ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقالَ: لا تَسأَلْنِي عن القرآنِ، وسَلْ مَن يَزْعُمُ أنه لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، يعني: عِكرمةَ، فكان ابنُ المسيِّبِ يَتحرَّجُ أن يُفَسِّرَ آياتِ القرآنِ؛ مَخافةَ أن يقولَ فيها بغيرِ عِلْمٍ، مع أنَّ كثيرًا مِن السلَفِ رَحِمَهم اللهُ فَسَّرُوا القرآنَ ولا يَزالونَ. أحالَه على عِكرمةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ، الذي ادَّعَى أنه لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، يعني: أنَّ عكرمةَ كان يُفَسِّرُ القرآنَ، وسعيدٌ يَتحرَّجُ مِن تفسيرِ القرآنِ.

وقالَ ابنُ شَوذبٍ: حدثنا يزيدُ بنُ أبي يزيدَ قالَ: كنا نَسألُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن الحلالِ والحرامِ، وكان أَعْلَمَ الناسِ, فإذا سألناهُ عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ سَكَتَ كأنْ لم يَسْمَعْ.

تَدُلُّ هذه الآثارُ على أنَّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يَتورَّعُ عن أن يُفَسِّرَ آياتِ القرآنِ، ولذلك تَقِلُّ الأسانيدُ عنه في التفسيرِ، يعني: ما نُقِلَ عنه تفسيرٌ؛ إلا شيئًا يَسيرًا.

وقالَ ابنُ جريرٍ: حدثني أحمدُ بنُ عبدةَ الضبيُّ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ. هذا أيضًا إسنادٌ جَيِّدٍ؛ فعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ هذا: عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ، مِن علماءِ التابعينَ وأجلائِهم، يقولُ: لقد أَدْرَكْتُ فقهاءَ المدينةِ، ولعله يعني: الفقهاءَ السبعةَ الذين ذَكَرْنا أنهم فُقهاءُ في المدينةِ، سبعةٌ، نَظَمَهم الناظمُ بقولِه:

ألا إنَّ مَن لا يَقْتَدِي بأئِمَّةٍ فقِسْمَتُه ضِيزَى عن الْحَقِّ خَارِجَهْ

فخُذْهُم: عُبيدُ اللهِ، عُروةُ قاسِمٌ سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانُ، خَارِجَهْ

يقولُ: أَدْرَكْتُهُم وإنهم ليُعَظِّمُونَ القولَ في القرآنِ هَيْبَةً، يعني: يَهابونَ أن يَقولوا في القرآنِ شيئًا، وذَكَرَ منهم سالمًا. عدَّه بعضُهم مِن الفقهاءِ السبعةِ، وأكثرُهم لم يَعُدُّوه، والقاسمُ بنُ محمدٍ منهم، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ منهم، ونافعٌ مولى ابنِ عمرَ ما عَدُّوه مِن الفقهاءِ السبعةِ، ولكنه مِن فقهاءِ المدينةِ.

وقالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عالمٌ مشهورٌ, ويُسَمَّى كاتبَ الليثِ، عن الليثِ، يعني: ابنِ سعدٍ عالِمِ مِصْرَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ. هشامُ بنُ عُروةَ بنِ الزبيرِ، مِن التابعينَ أو مِن صغارِ التابعينَ قالَ: ما سَمِعْتُ أبي تَأَوَّلَ آيةً مِن كتابِ اللهِ قطُّ، يُريدُ أباه عُروةَ بنَ الزبيرِ، يعني: أنه ما تَأَوَّلَها، يعني: ما تَكَلَّمَ فيها بأيِّ نوعٍ مِن أنواعِ الكلامِ، يَدُلُّ أيضًا هذا على أنَّ عُروةَ كان يَتورَّعُ عن تفسيرِ القرآنِ، كابنِ المسيِّبِ الذي يَتورَّعُ عن تفسيرِ آياتٍ مِن القرآنِ، يقولُ: ما سَمِعْتُ أبي تَأَوَّلَ آيةً مِن كتابِ اللهِ قطُّ.

قالَ أيُّوبُ وابنُ عونٍ وهشامٌ الدستوائيُّ، عن محمدِ بنِ سيرينَ قالَ: سألتُ عَبيدةَ السَّلْمانيَّ عن آيةٍ مِن القرآنِ، يعني: عن تفسيرِها. عبيدةُ السلمانيُّ مِن تلاميذِ ابنِ مسعودٍ، تَلَقَّى عنه كثيرًا، فقالَ عُبيدةُ: ذَهَبَ الذين كانوا يَعْلَمونَ فيما أُنْزِلَ القرآنُ، يعني: الصحابةُ الذين يَعْلَمون أسبابَ النزولِ، ويَعلمونَ ما يُرادُ بِكُلِّ آيةٍ،"فاتَّقِ اللهَ وعليك بالسدادِ"، يقولُ ذلك للسائلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت