فهرس الكتاب
وقالَ أبو عُبيدٍ - يعني: القاسمُ بنُ سلاَّمٍ: حدثنا معاذٌ، عن ابنِ عونٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ يَسَارٍ، عن أبيه. ومسلمُ بنُ يَسَارٍ كان مِن عُبَّادِ التابعينَ، وله تَرجمةٌ في التاريخِ تَدُلُّ على وَرَعِه وزُهْدِه. يقولُ: إذا حَدَّثْتَ عن اللهِ فقِفْ. يعني: تَحَرَّجْ؛ حتى تَنظرَ ما قَبْلَه وما بعدَه، يعني: حتى تَنظرَ ما قبلَ الآيةِ وما بعدَها؛ لتَتَحَقَّقَ مِن سياقِها وتَعرِفَ دَلالتَها.
ثم يقولُ: حَدَّثَنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ تلميذِ ابنِ مسعودٍ، وهو: إبراهيمُ النَّخَعِيُّ قالَ: كان أصحابُنا يَتَّقُونَ التفسيرَ ويَهابونَه، يعني: يَخْشَوْنَ أن يَقَعَ منهم شيءٌ مِن الغلَطِ فيه. إبراهيمُ التيميُّ إذا قالَ: كان أصحابُنا، أو كانوا؛ فإنه يريدُ بذلك أصحابَ ابنِ مسعودٍ، إذا قالَ: كانوا يقولونَ، أو كانوا يَرَوْنَ كذا، أو كان أصحابُنا يقولونَ كذا، فإنه يعني: أصحابَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ لأن لهم أقوالًا تَلَقَّوْها عن ابنِ مسعودٍ، وقد يكونونَ يُخالِفونَ فيها بعضَ مَن هم مِن أهلِ العلْمِ في زمانِهم."يَتَّقُونَ التفسيرَ"يعني: بالرأيِ، ويَهابونَهُ.
وقالَ شُعبةُ: عن عبدِ اللهِ بنِ أبي السَّفَرِ قالَ: قالَ الشعبيُّ: واللهِ ما مِن آيةٍ إلا وقد سأَلْتُ عنها الشَّعبيَّ رَحِمَه اللهُ. والشَّعبيُّ هو: عامرُ بنُ شَرَاحِيلَ، مِن حُفَّاظِ التابعينَ وعلماءِ الأُمَّةِ، وهو يقولُ: ما مِن آيةٍ إلا وقد سَأَلْتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن اللهِ تعالى، ولهذا يَقِلُّ نَقْلُ التفسيرِ عن الشَّعْبِيِّ، ولكن في الحديثِ كان ثِقَةً حافظًا، مَرْجِعًا مِن مَراجِعِ المحَدِّثينَ، وهو مع ذلك يقولُ: ما مِن آيةٍ إلا وقد سألتُ عنها، يعني: وعَرَفْتُ مدلولَها، ولكنها الروايةُ عن اللهِ تعالى، فلَأَجْلِ ذلك كان يَتورَّعُ أن يُحَدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ، وأن يُحَدِّثَ بكلِّ ما عَلِمَه لتلك الآيةِ، وقد يكونُ بينَهم اختلافُ تَنَوُّعٍ، أو اختلافُ تَضَادٍّ.
يقولُ: حدثنا، هذا إسنادُ أبي عبيدٍ، حدثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، وهو إبراهيمُ التيميُّ؛ كما عَرَفْنا، وكذلك قالَ أبو عبيدٍ: حدثنا هُشيمٌ، أنبأنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، عن الشَّعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: اتَّقُوا التفسيرَ؛ فإنه الروايةُ عن اللهِ. ومسروقُ بنُ الأجدعِ مِن زُهادِ التابعينَ، يقولُ: اتَّقُوا التفسيرَ. ولعلَّهُ يعني: التفسيرَ بالرأيِ.
ثم يقولُ: فهذه الآثارُ الصحيحةُ، وما شَاكَلَها عن أئِمَّةِ السلَفِ، محمولةٌ على تَحَرُّجِهم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا عِلْمَ لهم به، نَقَلَها - أو أكثرَها - ابنُ كثيرٍ في أوَّلِ تفسيرِه، ونقَلَ أيضًا كثيرًا منها بأسانيدِه ابنُ جريرٍ في أوَّلِ التفسيرِ.
تابِعِ الشرحَ:
ثم قالَ ابنُ كثيرٍ: إنها محمولةٌ على تحريمِ الكلامِ في القرآنِ بغيرِ علْمٍ، يعني: تحريمَ التخبُّطِ في القرآنِ، أو أنهم يَهابونَ القرآنَ أن يُفَسِّرُوهُ بشيءٍ مِن قِبَلِ أنفُسِهم, ليس لهم فيه مُستَنَدٌ، هكذا حَمَلُوها عليه. أما مَن تَكَلَّمَ بما يَعْلَمُ مِن ذلك لُغةً وشرعًا، فلا حَرَجَ عليه. إذا تَكَلَّمَ بشيءٍ قد عَلِمَه؛ سواءٌ أَخَذَه عن التابعينَ، أو فَهْمًا فَهِمَه، أو أَخَذَه عن الصحابةِ، أو أَخَذَه عن لغةِ العربِ؛ فإنه لا يُذَمُّ، بل له أَجْرٌ؛ وذلك لأن معرفةَ الآياتِ تُعينُ على العملِ بها، وتُعينُ أيضًا على الاعتبارِ؛ لأنَّ في القرآنِ عبرةً، فإذا فَهِمَ القرآنَ اعْتَبَرَ به، وإذا لم يَفْهَمْه لم يَدْرِ ما معناه، فلم يَدَّكِرْ ولم يَعْتَبِرْ، فيكونَ مَعرفةُ الآياتِ فيها فائدةٌ عظيمةٌ. ولكنْ إذا كان المعنى غيرَ ظاهرٍ؛ فإنه يَتَوَرَّعُ عن أن يَخوضَ فيه بغيرِ عِلْمٍ. فما رُوِيَ عن هؤلاءِ مِن التوَقُّفِ في هذه الآياتِ؛ محمولٌ على الورَعِ، وخوفِ القولِ على اللهِ بغيرِ عِلْمٍ.
يقولُ:"ولهذا رُوِيَ عن هؤلاءِ وغيرِهم أقوالًا في التفسيرِ". هكذا أيضًا ذكَرَ ابنُ كثيرٍ، يقولُ: إنَّ هؤلاءِ الذين تَحَرَّجُوا رُوِيَ عنهم أقوالٌ كثيرةٌ في التفسيرِ، يعني: قَلَّ آيةٌ فيها تفسيرٌ إلا وتَجِدُ عندَ ابنِ جريرٍ أو ابنِ أبي حاتمٍ وغيرِهم أقوالًا فيها مَرْوِيَّةً