فهرس الكتاب
عن هؤلاءِ الذين يَتَوَقَّفونَ، كالقاسمِ، وسالمٍ، وسعيدٍ، ونافعٍ، وهشامٍ، وأبيهِ عروةَ، وكذلك عَبِيدةُ السلمانِيُّ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ونحوِهم، رُوِيَ عنهم تفاسيرُ كثيرةٌ في آياتٍ كثيرةٍ، يَجِدُها مَن بَحَثَ عنها في كُتُبِ التفسيرِ. ولا مُنافاةَ بينَ تَوَرُّعِهم في مَوْضِعٍ؛ وتفسيرِهم في مَوْضِعٍ؛ وذلك لأنهم تَكَلَّموا فيما عَلِمُوه، وسَكَتُوا عما جَهِلُوه، الذي تَكَلَّموا فيه أَخَذوه عن علْمٍ بِمَرْجِعٍ مِن الْمَراجِعِ، أو أمْرٍ مِن الأمورِ، وأما الذي جَهِلُوه، أو خَافُوا أنه ليس بصوابٍ فإنهم تَوَرَّعوا وسَكَتوا. وهذا هو الواجبُ على كلِّ أحَدٍ، واجبٌ على كلِّ مسلِمٍ أن يُفَسِّرَ ما يَعلَمُه، وألاَّ يُفَسِّرَ الشيءَ الذي يَجْهَلُه، وأن يَتَوَرَّعَ عن أن يقولَ على اللهِ تعالى بغيرِ عِلْمٍ، وأن يُفَسِّرَه بالهوَى، كما تَقَدَّمَ أمثلةُ ذلك، والذين فَسَّرُوه بأهوائهِم؛ فإنه كما يَجِبُ السكوتُ عمَّا لا علْمَ له به؛ كذلك يَجِبُ القولُ فيما سألَ عنه مما يَعْلَمُه، هاهنا ذَكَرَ أنه يَجِبُ عليك أن تَسكُتَ إذا كُنْتَ لا تَعلمُ معنى هذه الآيةِ أو هذا الحديثِ، ويَجِبُ عليك أن تَتكلَّمَ بالآيةِ إذا كنتَ تَعرِفُ معناها وتَعرِفُ مَدلولَها، وإذا سَكَتَّ فإنك تكونُ آثِمًا. اسْتَدَلَّ بقولِ اللهِ تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} ، {لَتُبَيِّنُنَّهُ} : تُبَيِّنُونَ معانيَهُ، وتُبَيِّنُونَ ألفاظَه، ولا تَكْتُمونَ الناسَ ما أَنْزَلَ اللهُ، لا تَكْتُمُونَهم ألفاظَه، ولا تَكتمونَهم مَعانيَهُ وأنتم تَعلمونَ؛ فقد فَتَحَ اللهُ تعالى عليكم وعَلَّمَكم، فإذا كَتَمْتُم ذلك فأنتم قد كَتمتُم العلْمَ الذي أَمَرَ اللهُ تعالى ببيانِه.
ومثلُ هذه الآيةِ قولُ اللهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} {يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} : يَكتمونَ ألفاظَ ما أَنْزَلْنا، ويَكتمونَ معانيَ ما أَنزلنا مِن البيناتِ والهُدَى، {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} ، فاشتَرَطَ أنهم يُبَيِّنُونَ.
ومِثلُ ذلك أيضًا قولُ اللهِ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ} ... الآيةَ، فتَوَعَّدَهم على أنهم يَكتمونَ ما أَنزلَ اللهُ مِن الكتابِ، ثم استَدَلَّ أيضًا بالحديثِ المشهورِ: (( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ) )، وذَكَرَ أنَّ هذا الحديثَ مَرْوِيٌّ عن طُرُقٍ، وقد رواه ابنُ عبدِ الْبَرِّ، وأطالَ في طُرُقِه في أوَّلِ كتابِ (جامعِ بيانِ العلْمِ وفَضْلِه) ، وفيه وعيدٌ شديدٌ، (( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ ) )سواءٌ كان ذلك العلْمُ مِن القرآنِ أو كان مِن السنَّةِ؛ فإنه إذا كَتَمَه فقد كَتَمَ الناسَ ما يَجِبُ عليه أن يُبَيِّنَه لهم، ومعنى"أُلْجِمَ"يعني: خُتِمَ على فَهْمِه بلِجامٍ مِن نارٍ، يعني: بلجامٍ مِن وَهَجِ النارِ، أو مِن حديدِ النارِ، أو نحوِ ذلك.
يقولُ: قالَ ابنُ جريرٍ: حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، حدثنا مؤمَّلٌ، حدثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ, قالَ: قالَ ابنُ عباسٍ. أبو الزنادِ مِن صغارِ التابعينَ، يَظهرُ أنه أَدركَ ابنَ عباسٍ. قالَ ابنُ عباسٍ: التفسيرُ على أربعةِ أَوْجُهٍ: وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِه، وتفسيرٌ يَعلمُه العلماءُ، وتفسيرٌ لا يَعلمُه إلا اللهُ.
هذا الأثرُ مشهورٌ عن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، والتفسيرُ الذي تَعرفُه العربُ هو الكلماتُ العربيَّةُ التي يَرْجِعُ فيها إلى لغةِ العربِ، ولهذا يَستَشْهِدُ المفَسِّرونَ بأبياتِ العربِ، بلغةِ العربِ، بالنظْمِ الذي يَذكرونَه، والذي يَعرفونَه؛ فإن العربَ يُسَمُّونَ الأشياءَ بأسماءٍ اصْطَلَحوا عليها، فلذلك يَسْتَشْهِدُ بكلامِهم ابنُ جريرٍ، فهو أكثرُ مَن رَأينا يَستشْهِدُ بنَظْمِ العربِ على الكلماتِ العربيَّةِ، حتى الكلماتُ الشرعيَّةُ. لَمَّا أتى على ذِكْرِ الصلاةِ اسْتَشْهَدَ عليها ببيتينِ مِن شعرِ العربِ، مِن قولِ الشاعرِ:
وقابَلَها الريحُ+ في ?َنَّها وصَلَّى على دنها وارْتَسَمْ