الصفحة 88 من 89

ومِن قولِ الآخَرِ:

* إنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عليها وزَمْزَم *

وفَسَّرَ الصلاةَ هنا بأنها الدعاءُ، ثم ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ زيادةَ أبياتٍ، وكلُّها للأعشَى.

فالحاصلُ: أن العربَ تَعرفُ المسمَّياتِ، والقرآنُ نَزلَ بلغتِها، فلذلك يُرْجَعُ إلى لغةِ العربِ، كان كثيرٌ مِن المفسرينَ أو مِن اللُّغويينِ يُسافرونَ إلى البلادِ النائيةِ، إلى البوادي، يأخذونَ الكلماتِ الفصيحةَ مِن العربِ.

فمثلًا: الكلماتُ التي تَعرِفُها العربُ بَقِيَتْ على مُسمياتِها، كقولِه تعالى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} : القمرُ. كثيرٌ مِن الناسِ لا يَعرفونَ العُرجونَ، ولكنْ نَظَرْنا إلى أصلِه في لغةِ العربِ وإذا هو قِنْوُ النخلِ؛ لأنه إذا يَبِسَ تَقَوَّسَ، وأصبَحَ شِبْهَ نِصْفِ دائرةٍ، فالقمرُ يكونُ كذلك في آخِرِ الشهْرِ. هذا هو العُرجونُ.

كذلك مَثلًا قولُ اللهِ تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} كلمةُ الهباءِ مما قد يُحتاجُ فيه إلى معرفةٍ بلغةِ العربِ، فيُسَمَّى الدُّخَانُ مَثلًا: هباءً، وكذلك الشيءُ الخفيفُ الذي تَطيرُ به الرياحُ، كقولِه تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} يعني: أنه إذا طارتْ به الرياحُ أَصْبَحَ كأنه هباءٌ، كذلك مَثلًا قولُه: {كَلاَّ لَا وَزَرَ} ، كلمةُ"لا وَزَرَ"هذه أيضًا كلمةٌ عَربيَّةٌ يُرجَعُ فيها إلى كلامِ وتفسيرِ العرَبِ، وإذا نَظرنا في السياقِ فإنَّ معناها: أنه لا مَفَرَّ للإنسانِ، {لَا وَزَرَ} يعني: ليس له مَفَرٌّ ولا مَهرَبٌ ولا مَخْرَجٌ في يومِ القيامةِ.

وقد تَكَلَّمَ كثيرٌ منهم على مُفرداتِ القرآنِ. ممن خَصَّها بالتأليفِ: الراغبُ، له كتابٌ يُسَمَّى (مفرداتِ القرآنِ) ، يعني: لغةَ القرآنِ، اللغةُ التي هي كلماتٌ تَحتاجُ إلى الرجوعِ إلى العربِ، وقد يُحتاجُ في تعريفِها إلى مَعرفةِ اصطلاحِ الشرْعِ، أو مَعرفةِ استعمالِها شَرْعًا، وقد يكونُ أيضًا معرفتُها بما يَدُلُّ عليه السياقُ.

يقولُ:"وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بجهالتِه"، وهو معرفةُ الأحكامِ: الحلالِ والحرامِ، فلا يَجوزُ لأحَدٍ أن يَتجاهَلَه، وأن يَبْقَى جاهلًا به؛ فإنَّ الحلالَ لا بُدَّ مِن فِعْلِه، فالأوامرُ كقولِه تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوُا الزَّكَاةَ} ، وقولِه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، وقولِه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ} وما أَشْبَهَ ذلك، لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بجَهالَتِه، وكذلك الْمُحَرَّمَاتُ لا بُدَّ أن يَتَعَلَّمَها المسلِمُ حتى يَتَجَنَّبَها، مثلُ قولِه تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ} ، ومثلُ قولِه تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} ، {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} وأشباهُ ذلك لا يُعْذَرُ أحَدٌ بجَهْلِهِ، كلُّ المسلمينَ يُؤمرونَ بأن يَعرفوهُ حتى لا يَقَعوا فيه، والذي يَبْقى على جَهْلٍ يُعْتَبَرُ مُفَرِّطًا. فالحاصلُ: أنَّ التفسيرَ الذي لا يُعْذَرُ أحَدٌ بجَهْلِه؛ هو: مَعرفةُ الأحكامِ التي يَجِبُ على المسلِمِ العملُ بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت