فهرس الكتاب
يقولُ:"وتفسيرٌ يَعلمُه العلماءُ"، العلماءُ الذين تَعَلَّموا العلْمَ يَعرِفونَ نوعًا مِن التفسيرِ؛ وذلك لأنهم بَحَثُوا عن أسبابِ النزولِ، فعَرَفُوا مِن أسبابِ النزولِ: على أيِّ معنًى تُحمَلُ الآيةُ التي يُفَسِّرونَها. وكذلك أيضًا لمَّا عَرَفُوا لغةَ العربِ عَرَفوا ما دَلَّتْ عليه، وقد يَعرِفونَ ذلك أيضًا بالسياقِ. إذا قرأتَ ـ مثلًا ـ قولَه تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} فإنَّ السياقَ يَدُلُّ على أنها الرياحُ؛ لقولِه تعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} ، فالذارياتُ: هي الرياحُ، وقولَه: {وَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} السياقُ يَدُلُّ على أنها السُّفُنُ؛ لأنها تَحْمِلُ مَن فيها، ويُوقِرُونَهَا وِقْرًا، وأشباهَ ذلك. وكذلك إذا قَرَأْتَ قولَه تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} السياقُ يَدُلُّ على أنها الأفراسُ والخيلُ التي يكونُ لها ضَبيحٌ إذا سَعَتْ؛ إذا عَدَتْ، وما أَشْبَهَ ذلك. فهذا يَعرِفُهُ العلماءُ.
وأما التفسيرُ الذي لا يَعلمُه إلا اللهُ؛ فلعلَّهُ يعني: بذلك: معانيَ أو تأويلَ الأمورِ الغيبيَّةِ وكيفيَّتَها؛ فإن هذه لا يَعْلَمُها إلا اللهُ. قد تَكَلَّمَ العلماءُ على قولِ اللهِ تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ، فقالَ بعضُهم: إنَّ المرادَ: إنَّ الراسخينَ يَعْلَمُونه، ولكنَّ سياقَ الآيةِ يَدُلُّ على أنهم لا يَعلمونَه، ولا يَعلمُه إلا اللهُ، ويُفَسَّرُ التأويلُ الذي لا يَعلَمُه إلا اللهُ بحقائقِ الأمورِ الغيبيَّةِ، مثلَ قولِه تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} تأويلُه يعني: حقائقُ ما أُخْبِروا عنه، ووقائعُ ما كان قد وَقَعَ لهم وأُخْبِرُوا به ولم يَتَحَقَّقْ وقوعُه. فالحاصلُ: أنَّ هذه المقدِّمَةَ بَيَّنَ فيها رَحِمَه الله تعالى مُجْمَلَ التفسيرِ، وذَكَرَ هذه الأمثلةَ، وهي مُفيدةٌ. قد تَكَلَّمَ العلماءُ كثيرًا على أصولِ التفسيرِ، وجَعلوه مادةً تُدَرَّسُ في المعاهدِ العلميَّةِ وفي غيرِها، وجَعلوا المعرفةَ له مفيدةً في علْمِ التفسيرِ، ولكنَّ كلامَ شيخِ الإسلامِ رَحِمَه اللهُ تعالى كان على وجهِ الإجمالِ لهذه المعاني التي تَطَرَّقَ إليها. وبهذا تكونُ قد انتهتْ هذه الرسالةُ، واللهُ أَعْلَمُ، وصَلَّى اللهُ على محمدٍ.
أسئلةٌ: سؤالٌ: ما رأيُ فضيلتِكم في تفسيرِ"التحريرِ والتنويرِ"لابنِ عاشورٍ وتفسيرِ الجَلاَليَنِْ؟
جوابٌ: تفسيرُ"التحريرِ"هذا ما سَبَقَ لي أني اطَّلَعْتُ عليه، ولكن يَظهرُ أنه مِن الذين دَرسوا عن مَذهبِ الأشاعرةِ، وتَأَثَّرُوا به؛ فلا يَسلَمُ مِن شيءٍ مِن التأويلِ، وأما تفسيرُ الجلالينِ؛ فالجلالانِ: جَلالُ الدينِ المحليُّ، وجلالُ الدينِ السيوطيُّ، جلالُ الدينِ المحليُّ فَسَّرَ آخِرَ القرآنِ، يعني: مِن سورةِ الكهفِ إلى آخِرِ القرآنِ، في هذا التفسيرِ المختصَرِ، ثم كمَّلَه جلالُ الدينِ السيوطيُّ بأن فَسَّرَ مِن البقرةِ إلى آخِرِ سورةِ الإسراءِ، ولا بأسَ به، لكن فيه تأويلُ آياتِ الصفاتِ على مُعتقَدِ الأشاعرةِ؛ لأنَّ معتقَدَ الأشاعرةِ مُتمكِّنٌ فيهم، وهما مِن علماءِ الشافعيَّةِ المُتوغِّلِينَ في مُعتقَدِ الأشاعرةِ في نفيِ الصفاتِ الفعليَّةِ، فإذا كان طالبُ العلمِ عارفًا بما تَدُلُّ عليه الأدلَّةُ، فإنه لا يَضُرُّه إذا قَرَأَ فيهما.
سؤالٌ: ما حُكْمُ التفسيرِ بالاكتشافاتِ العلميَّةِ المعاصِرَةِ؟
جوابٌ: هؤلاءِ المعاصرونَ أَرَادُوا أن يَحْمِلوا كثيرًا مِن الآياتِ على المكاشفاتِ الْمُتَجَدِّدَةِ، فأَلَّفُوا في ذلك تفاسيرَ، وأَلَّفُوا في ذلك كُتُبًا، وحَمَلوا كثيرًا مِن الآياتِ عليها، ولكنْ في هذا الْحَمْلِ شيءٌ مِن التكَلُّفِ، قد يكونُ فيها شيءٌ مِن الدلالةِ عليه؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، ولكنَّ الكثيرَ حَمَّلوا الآياتِ ما لا تَحْتَمِلُه. واللهُ أَعْلَمُ