فهرس الكتاب
إذْ لمْ يُعْتَبَرْ كونُ اللفظِ الآخَرِ في حَشْوِ الْمِصْرَاعِ الثاني؛ لأنَّهُ لا يُعْقَلُ الصدارةُ لحشْوِ الْمِصراعِ الثاني بالنسبةِ لعَجُزِه، فلا يَدخُلُ في مُسَمَّى ردِّ العَجُزِ إلى الصَّدْرِ.
وأمَّا مَحَلُّ أحَدِ اللفظينِ ممَّا ذُكِرَ فليسَ لهُ إلَّا مَحَلٌّ واحدٌ، وهوَ آخِرُ البيتِ، فإذا ضَرَبَ الأقسامَ الأربعةَ الحاصلةَ منْ كونِ اللفظينِ مكَرَّرَيْنِ، أوْ متجانسينِ، أوْ مُلْحَقَيْنِ بالمتجانسينِ اشتقاقًا، أوْ مُلْحَقَيْنِ بهما بِشِبْهِ الاشتقاقِ، في أربعةِ أقسامِ مَحالِّ اللفظِ المقابِلِ لِمَا في عَجُزِ البيتِ، وهيَ صَدْرُ الْمِصراعِ الأوَّلِ، ووسَطُه، وآخِرُه، وصدْرُ الْمِصراعِ الثاني، كانت أقسامُ رَدِّ العَجُزِ على الصدْرِ في النظْمِ ستَّةَ عشَرَ، حاصلةٌ منْ ضَرْبِ أربعةٍ في أربعةٍ. وقدْ مُثِّلَ لجميعِ هذه الأقسامِ في الْمُطَوَّلَاتِ، والمصنِّفُ اقْتَصَرَ على المثالينِ منْ هذه الأمثلةِ: أحدُهما للمكَرَّرَيْنِ، والمكَرَّرُ الآخَرُ في صَدْرِ الْمِصراعِ الأوَّلِ. والثاني للمُكَرَّرَيْنِ، والمكَرَّرُ الآخَرُ في حشْوِ الْمِصراعِ الأوَّلِ، فقالَ: نحوَ قولِه:
سريعٌ إلى ابنِ العمِّ يَلْطُمُ وجْهَهُ * وليسَ إلى داعِي النَّدَى بسريعِ
أيْ هذا المذمومُ سريعٌ إلى الشرِّ والْمُلامَةِ في لَطْمِه وجهَ ابنِ العمِّ، وليسَ بسريعٍ إلى العمَلِ بما يُدْعَى إليه من النَّدَى، أي: الكرَمِ. فسريعٌ الثاني في آخِرِ البيتِ، والأوَّلُ في أوَّلِ الْمِصراعِ الأوَّلِ.
فهذا منْ أمْثِلَةِ القِسْمِ الذي يكونُ أحَدُ المكرَّرَيْنِ في آخِرِ البيتِ، والمكرَّرُ الآخَرُ في صدْرِ الْمِصراعِ الأوَّلِ.
ونحوَ قولِه:
تَمَتَّعْ منْ شَميمِ عِرارِ نَجْدٍ * فما بعدَ الْعَشِيَّةِ منْ عِرارِ
والمعنى: أنَّهُ يَأْمُرُ بالاستمتاعِ بشَمِّ عِرارِ نَجْدٍ، وهيَ وَردةٌ ناعمةٌ صفراءُ طيِّبَةُ الرائحةِ تَفْرِشُ على وجهِ الأرضِ لا ساقَ لها، فإنَّا نُعْدَمُهُ إذا أَمْسَيْنَا؛ لأنَّ الحالَّ يُضْطَرُّ إلى الخروجِ منْ أرْضِ نَجْدٍ ومن المواضِعِ التي يَنْبُتُ فيها ذلكَ العِرارُ عندَ المساءِ بالسفَرِ عنها، فعِرارٌ الأوَّلُ في حَشْوِ الْمِصراعِ الأوَّلِ، وهوَ مُكَرَّرٌ معَ عِرارٍ الثاني الذي في آخِرِ البيتِ. فهذا منْ أمْثِلَةِ القِسمِ الذي يكونُ أحَدُ الْمُكَرَّرَيْنِ في آخِرِ البيتِ، والمكَرَّرُ الآخَرُ في حَشْوِ الْمِصراعِ الأوَّلِ.
4 -السَّجْعُ:
هوَ توافُقُ الفاصلتينِ نَثْرًا، أيْ: الكلمتينِ اللتينِ في آخِرِ الفِقرتينِ من النثْرِ. في الحرْفِ الأخيرِ، أيْ: في الحرْفِ الواحدِ الواقعِ في آخِرِ كلٍّ منهما. وهوَ، أي: السجْعُ، ثلاثةُ أنواعٍ:
الأوَّلُ منها: مطرَّفٌ، إن اخْتَلَفَتِ الفاصلتانِ في الوزْنِ، نحوَ: (الإنسانُ بآدابِه لا بِزِيِّه وثيابِه) ؛ فإنَّ الفاصِلَةَ من الفِقرةِ الأولى آدابُه، ومن الثانيةِ ثيابُه، وهما مختلفتانِ وَزْنًا كما لا يَخْفَى، وإنَّما التوافُقُ بينَهما في الطرَفِ أي الحرْفِ الأخيرِ فقطْ؛ ولذا سُمِّيَ هذا القِسمُ من السجْعِ مُطَرَّفًا.