الصفحة 104 من 111

1 -سرِقَةُ الكلامِ أنواعٌ عديدةٌ، ذَكَرَ المصنِّفُ منها ما هوَ سَرِقَةٌ ظاهِرَةٌ مذمومةٌ، فقالَ:

منها أنْ يَأْخُذَ الناثِرُ أو الشاعِرُ، فإنَّ السرِقَةَ كما تكونُ في الشعْرِ تكونُ في غيرِ الشِّعْرِ أيضًا، معنًى لغيرِه بدونِ تغييرٍ لنَظْمِه، أيْ لكيفيَّةِ الترتيبِ والتأليفِ الواقعِ بينَ المفرداتِ منهُ، كما أَخَذَ عبدُ اللَّهِ بنُ الزَّبِيرِ، بفَتْحِ الزايِ وكَسْرِ الباءِ الْمُوَحَّدَةِ، شاعرٌ مشهورٌ، وهوَ غيرُ عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ الصحابيِّ رَضِي اللَّهُ تعَالى عَنْهُ، فإنَّهُ بِضَمِّ الزايِ وفتْحِ الباءِ؛ ولذا قالَ في الحاشيةِ: الزَّبِيرُ بفتْحٍ فكَسْرٍ إلخ، بَيْتَيْ مُعَنٍ، بِضَمِّ المِيمِ وَفتْحِ العيْنِ، وهوَ ابنُ أوْسٍ، وأمَّا مَعْنُ بنُ الزَّائدَةِ فهوَ بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ كما قالَ في الحاشيَةِ: مُعَنٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ إلخ، وادَّعَاهُما لنفسِه، وهُما:

(إذا أنْتَ لمْ تُنْصِفْ أخاكَ) ، أيْ: لمْ تُعْطِهِ النَّصَفَةَ والعدْلَ، ولمْ تَعْرِفْ حقوقَهُ، (وَجَدْتَهُ على طَرَفِ الْهِجْرَانِ) ، بكسْرِ الهاءِ، وإضافةُ الطرَفِ إليهِ بيانيَّةٌ، أيْ على الطرَفِ الذي هوَ الْهِجْرانُ، (إن كانَ يَعْقِلُ) أيْ: وَجَدْتَهُ هاجِرًا لكَ، ورافضًا صُحْبَتَكَ، إنْ كانَ لهُ عَقْلٌ، (ويَرْكَبُ) ذلكَ الأخُ الذي لم تُنْصِفْهُ، (حَدَّ السيْفِ) ، أيْ: طرَفَهُ القاطِعَ، يعني يَتَحَمَّلُ شدائدَ تُؤَثِّرُ فيهِ تأثيرَ السيوفِ، وتُقَطِّعُهُ تقطيعًا، (منْ أنْ تُضِيمَهُ) ، أيْ: بَدَلًا منْ أنْ تَظْلِمَهُ وتُذِلَّهُ، (إذا لمْ يكُنْ عنْ شَفْرَةِ السيفِ) ، أيْ: عنْ ركوبِ حدِّ السيفِ وتَحَمُّلِ الشدائدِ، (مَزْحَلُ) بفتحِ الميمِ والحاءِ المهمَلَةِ، وبينَهما زايٌ مُعْجَمَةٌ، أيْ: بُعْدٌ، بمعنى البُعْدِ والانفصالِ.

فهذانِ بيتانِ منْ قَصيدةِ مُعَنِ بْنِ أَوْسٍ المذكورِ، قدْ سَرَقَها عبدُ اللَّهِ بنُ الزَّبِيرِ، كما حَكَى أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ الزَّبِيرِ دخَلَ على معاويةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُ فأَنْشَدَهُ هذينِ البيتينِ، فقالَ لهُ المعاويةُ: لقدْ شَعُرْتَ (بضَمِّ العينِ) ، أيْ صِرْتَ شاعرًا بَعْدِي، (أيْ بعدَ مُلاقاتي الأُولَى) يا أبا بكرٍ (كُنْيَةٌ لهُ) . ثمَّ إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ الزَّبيرِ المذكورَ لم يُفارِق المجلِسَ حتَّى دَخَلَ مُعَنُ بنُ أَوْسٍ على معاويةَ فأَنْشَدَ بينَ يَدَيْهِ قصيدتَهُ التي فيها هذانِ البيتانِ، فأَقْبَلَ معاويةُ على عبدِ اللَّهِ بنِ الزَّبيرِ وقالَ لهُ: أَلَمْ تُجِزْنِي أنَّهُما لكَ؟ فقالَ: اللفظُ لهُ والمعنى لِي، وبعدَ هذا فهوَ أخي من الرَّضَاعَةِ، وأنا أَحَقُّ بشِعْرِه.

ومثلُ هذا الأخْذِ والسرِقَةِ يُسَمَّى نَسْخًا وانْتِحَالًا؛ لأنَّهُ نَقَلَ كلامَ الغيرِ وادَّعَاهُ لنفسِه. والنَّسْخُ: النقْلُ، يُقالُ: نَسَخْتُ الكتابَ، أيْ: نَقَلْتُ ما فيهِ إلى كِتابٍ آخَرَ. والانتحالُ: أنْ تَدَّعِيَ أنَّ ما لغيرِكَ لكَ، يُقالُ: انْتَحَلَ فلانٌ شِعْرَ غيرِه، إذا ادَّعَاهُ لنفسِه. وهذا النوعُ من السَّرِقَةِ سَرِقَةٌ ظاهِرَةٌ مذمومةٌ جِدًّا.

ومنْ قَبِيلِه في كونِه سَرِقَةً ظاهرةً مذمومةً أنْ تُبَدَّلَ الألفاظُ بما يُرَادِفُها، وذلكَ لأنَّ المرادِفَ يُنَزَّلُ منزِلَةَ رَدِيفِه، فلازِمُ أحدِهما من الْقُبْحِ لازِمٌ للآخَرِ، كأنْ يُقالَ في قولِ الْحُطَيْئَةِ:

(دَعِ الْمَكَارِمَ) ، أيْ: دَعْ طَلَبَها، (لا تَرْحَلْ لبُغْيَتِها) ، البُغْيَةُ بكسْرِ الباءِ وضَمِّها بمعنى الحاجةِ والطلَبِ، (واقْعُدْ فإنَّكَ أنتَ الطاعِمُ الكَاسِي) ، أي: الآكِلُ اللابسُ. والمعنى: لسْتَ أَهْلًا للمكارِمِ والمعافي فَدَعْهَا لغيرِكَ، واقنَعْ بالمعيشةِ، أيْ مُطْلَقِ الأكْلِ والتستُّرِ باللباسِ.

ذَرِ الْمَآثِرَ لا تَذْهَبْ لِمَطْلَبِها * واجْلِسْ فإنَّكَ أنتَ الآكِلُ اللابِسُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت