الصفحة 107 من 111

لا تُعادِ الناسَ في أوطانِهم * قَلَّمَا يُرْعَى غريبُ الوطَنِ

وإذا ما شِئْتَ عَيْشًا بينَهم * خَالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ

فقولُه: خَالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، منْ حديثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَتَى بهِ لا على أنَّهُ من الحديثِ، فهوَ مِثالٌ للاقتباسِ من الحديثِ.

ولا بأسَ بتغييرٍ يسيرٍ في اللفْظِ الْمُقْتَبَسِ بحيثُ لا يَظْهَرُ بهِ أنَّهُ شيءٌ آخَرُ للوَزْنِ أوْ غيرِه، كاستقامةِ القرائنِ في النَّثْرِ، نحوَ:

قدْ كانَ ما خِفْتُ أنْ يَكُونَا * إنَّا إلى اللَّهِ رَاجِعُونَا

فقولُه: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاجِعُونَا) ، مُقْتَبَسٌ بنَقْصٍ ويَسيرٍ من التَّغَيُّرِ، كيفَ وفي الْقُرْآنِ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ؟!

3 -التضمينُ:

ويُسَمَّى الإيداعَ، هوَ أنْ يُضَمَّنَ الشعْرُ، فإنَّ النثْرَ لا يَجْرِي فيهِ التضمينُ شيئًا، ولوْ بعضَ مِصراعٍ منْ شِعْرِ آخَرَ معَ التنبيهِ عليه، أيْ: معَ التنبيهِ على أنَّهُ منْ شِعْرٍ آخَرَ؛ لئَلَّا يُظَنَّ بهِ السرِقَةُ إنْ لمْ يَشْتَهِرْ نسبتُه لصاحبِه، وإلَّا فَشُهْرَتُهُ يُغْنِي عن التنبيهِ عليهِ، كقولِه:

إذا ضاقَ صَدْرِي وخِفْتُ الْعِدَا ... * ... تَمَثَّلْتُ بيتًا بِحالِي يَلِيقُ

فبِاللَّهِ أَبْلُُغُ ما أَرْتَِجي ... * ... وباللَّهِ أَدْفَعُ ما لا أُطِيقُ

فالبيتُ الثاني منْ شِعْر غيرِه قدْ ضَمَّنَه الشاعِرُ ونَبَّهَ عليهِ بقولِه: (تَمَثَّلْتُ) ، فإنَّ التمَثُّلَ إنَّما يكونُ بشيءٍ قدْ سَبَقَ نَظْمُهُ.

ولا بَأْسَ في التضمينِ بالتغييرِ اليسيرِ إذا تَوَقَّفَ ذلكَ التضمينُ على وجْهِ المناسَبَةِ للمُرادِ على هذا التغييرِ، كقولِه في ذَمِّ يَهُوديٍّ بهِ داءُ الثعلَبِ الْمُسَمَّى بالقُرَاعِ، وهوَ داءٌ يَتَنَاثَرُ منهُ الشَّعْرُ:

أقولُ لِمَعْشَرٍ غَلِطُوا وغَضُّوا ... * من الشيخِ الرشيدِ وأَنْكَرُوهُ

هوَ ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا * متى يَضَعِ العِمامةَ تَعْرِفُوهُ

فالبيتُ الثاني لِسُحَيْمِ بْنِ وَثِيلٍ، وهوَ في الأصْلِ هكذا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت