الصفحة 108 من 111

أنا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... * ... متى أَضَعِ العِمامةَ تَعْرِفُونِي

ومرادُه الافتخارُ، وأنَّهُ ابنُ رجلٍ جَلَا أمْرُه واتَّضَحَ، وأنَّهُ متى يَضَعِ العِمامةَ للحرْبِ وتُوجَدْ لهُ يُعْرَفْ قَدْرُه في الحرْبِ، فإنَّ المرادَ بالعِمامةِ مَلْبُوسُ الحرْبِ، فضَمَّنَهُ الشاعِرُ بتغييرِه إلى الغَيْبَةِ ليُنَاسِبَ مقصودَه ويَنْتَظِمَ بهِ، وهوَ كونُ مَنْ نُسِبَ إليه ما ذُكِرَ على وجهِ التهكُّمِ مُتَحَدَّثًا عنه لا مُتَحَدِّثًا عنْ نفسِه كما في الأصْلِ. وعلى هذا فمعنى البيتينِ هكذا: (أقولُ لِمَعْشَرٍ) ، أيْ: لجماعةٍ من اليهودِ، (غَلِطُوا) في حقِّ ذلكَ اليهوديِّ؛ حيثُ ذَكَرُوهُ على وجهِ التلميحِ بما يُناسِبُ ما كانَ يَفْتَخِرُ بهِ عليهم، وإلَّا فهمْ لم يَغْلَطُوا في تَبعيدِه وإنكارِه، (وغَضُّوا) أبصارَهم عندَ رُؤْيتِه احتقارًا بهِ، (مِن الشيخِ الرشيدِ) ، أيْ: مَنْ ذلكَ اليهوديِّ، ومرادُه بالرَّشِيدِ الغويُّ على وجهِ التهكُّمِ، و (أَنْكَرُوهُ) ، أيْ: ذلكَ اليهوديَّ، (هوَ ابنُ جَلَا) ، أيْ: هوَ ابنُ شَعْرٍ، وصاحبُه جَلَا الرأسُ منْهُ وانْكَشَفَ، (وأنَّهُ طَلَّاعُ الثَّنَايَا) ، أيْ: ركَّابُ صِعابِ الأمورِ، والمرادُ بها ههنا مَشاقُّ داءِ الثَّعْلَبِ، ومَشَاقُّ الذُّلِّ والهوانِ، (متى يَضَعْ) عنْ رأسِه (العِمامةَ تَعْرِفُوهُ) ، أيْ: تَعْرِفوا داءَهُ وعَيْبَهُ.

4 -العَقْدُ والْحَلُّ:

هما شيئانِ متقابِلانِ جَمَعَهما في فصْلٍ واحدٍ، فقالَ:

الأوَّلُ، أي العَقْدُ، نَظْمُ المنثورِ سواءٌ كانَ ذلكَ النَّثْرُ قرآنًا أوْ حديثًا أوْ غيرَ ذلكَ، بأنْ كانَ مَثَلًا أوْ حِكْمَةً من الحِكَمِ المشهورةِ.

والثاني، أي الْحَلُّ، عَكْسُ العَقْدِ، أيْ: نَثْرُ المنظومِ.

وإنَّما سُمِّيَ نظْمُ المنثورِ عَقْدًا، ونثْرُ المنظومِ حَلًّا؛ لأنَّ الكلامَ في الأوَّلِ كانَ نَثرًا مَحلولًا فصارَ نَظْمًا مَعْقودًا، وفي الثاني كانَ نَظْمًا مَعْقُودًا فصارَ نَثْرًا مَحْلولًا.

فالأوَّلُ، أي العَقْدُ ونَظْمُ المنثورِ، نحوَ:

والظلْمُ منْ شِيَمِ النفوسِ فإنْ تَجِدْ * ذا عِفَّةٍ فلَعَلَّهُ لا يُظْلَمُ

عَقَدَ فيهِ قولَ حكيمٍ: الظلْمُ منْ طِباعِ النفسِ، وإنَّما يَصُدُّها عنهُ إحدى عِلَّتَيْنِ: دينيَّةٌ، وهيَ خوفُ الْمَعَادِ، ودنيويَّةٌ، وهيَ خوفُ العِقابِ الدُّنْيَوِيِّ. فأَخَذَ الشاعرُ هذا الكلامَ النثْرَ المشهورَ في الحكمةِ ونَظَمَه معَ شيءٍ من التغييرِ.

والثاني، أي الْحَلُّ ونَثْرُ المنظومِ، نحوَ قولِه: (العِيادةُ سُنَّةٌ مَأْجورةٌ، ومَكْرُمَةٌ مأثورةٌ، ومعَ هذا فنَحْنُ الْمَرْضَى، ونَحْنُ العُوَّادُ، وكلُّ وِدادٍ لا يَدومُ فليسَ بوِدَادٍ) ، فهذا نَثْرٌ أخَذَهُ من النظْمِ في الحكمةِ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت