فهرس الكتاب
وحَلَّ فيهِ قولُ القائلِ:
إذا مَرِضْنَا أَتَيْنَاكُمْ نَعُودُكُمُ * وتُذْنِبُونَ فنَأْتِيكُمْ ونَعْتَذِرُ
ولا مُضايَقَةَ في تغييرِ الأصْلِ فيهِ؛ فإنَّ التغييرَ وإنْ كانَ كثيرًا جائزٌ فيهِ، وكذا في العَقْدِ.
5 -التلميحُ:
هوَ أنْ يُشيرَ المتكلِّمُ في فَحْوَى كلامِه لآيةٍ أوْ حديثٍ أوْ شِعْرٍ مشهورٍ أوْ مَثَلٍ سائرٍ، أيْ: شائعٍ بينَ الناسِ، أوْ قِصَّةٍ، منْ غيرِ أنْ يَذْكُرَ الْمُشارَ إليه بنفسِه، ومنْ غيرِ استقصائِه، كقولِه: (لعَمْرٌو) ، اللامُ فيهِ لامُ الابتداءِ، وهوَ مُبتدأٌ خَبَرُه أَرَقُّ، وقولُه: (معَ الرَّمْضَاءِ) ، أيْ: معَ الأرضِ الحارَّةِ التي تَرْمَضُ فيها القدَمُ وتُحْرَقُ، حالٌ من الضميرِ في أَرَقُّ، إذا جَوَّزَ تقديمَ معمولِ اسمِ التفضيلِ عليهِ، وإلَّا فهوَ صِفَةٌ لعمرٍو، أيْ: لَعَمْرٌو المُصَاحِبُ لذِكْرِ الرَّمْضَاءِ والنارِ حالَ كونِها (تَلْتَظِي) وتَتَوَقَّدُ (أَرَقُّ) من الدِّقَّةِ التي هيَ الرحمةُ، (وأَحْفَى منْكَ) ، منْ حَفِيَ عليهِ: تَلَطَّفَ وتَشَفَّقَ عليهِ، (في ساعةِ الكرْبِ) والغَمِّ الذي يأخُذُ النفسَ، وحاصِلُ المعنَى: لَعَمْرٌو الذي ذُكِرَ معهُ الرَّمْضَاءُ والنارُ في البيتِ المشهورِ الآتِي، وهوَ عمرٌو القائلُ لكُلَيْبٍ، أَرَقُّ وأَحْفَى منكَ يا مُخَاطَبُ في ساعةِ الكرْبِ.
فهذا بيتٌ أشارَ فيهِ إلى البيتِ المشهورِ، وهوَ:
الْمُسْتَجِيرُ بعمرٍو عندَ كُرْبَتِهِ ... * ... كالْمُسْتَجِيرِ من الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ
6 -حُسْنُ الابتداءِ:
هوَ أنْ يَجْعَلَ المتكلِّمُ، شاعرًا كانَ أوْ كاتبًا، مَبْدَأَ كلامِه عَذْبَ اللفظِ، بأنْ يكونَ في غايةِ البُعْدِ عن التنافُرِ واستثقالِ الطبْعِ، حَسَنَ السبْكِ، بأنْ يُصاغَ صياغةً تكونُ في غايةِ البُعْدِ عن التعقيدِ وعنْ كلِّ ما يُخِلُّ بالفصاحةِ، صحيحَ المعنى، بأنْ يَسْلمَ من التناقُضِ والامتناعِ ومخالَفَةِ العُرْفِ ونحوَ ذلكَ.
فإذا اشْتَمَلَ مَبْدأُ الكلامِ معَ ذلكَ على إشارةٍ لطيفةٍ إلى المقصودِ مُشْعِرَةٍ بهِ في الْجُمْلَةِ سُمِّيَ الْمَبْدَأُ بهذا الاشتمالِ براعةَ الاستهلالِ.
الاستهلالُ في الأصْلِ: أوَّلُ ظهورِ الهلالِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ لأوَّلِ كلِّ شيءٍ.
والْبَرَاعَةُ: مَصْدَرُ بَرُعَ الرجُلُ إذا فاقَ أقرانَهُ في العلْمِ أوْ غيرِه.