الصفحة 110 من 111

فتسميةُ الْمَبْدَأِ الْمُشْتَمِلِ على الإشارةِ اللطيفةِ إلى المقصودِ ببراعةِ الاستهلالِ؛ لكونِه ابتداءً فائقًا غيرَه من الابتداءاتِ التي ليستْ كذلكَ، كقولِه في تهنئةٍ بزوالِ مَرَضٍ: (الْمَجْدُ والشرَفُ عُوفِيَ إذْ عُوفِيتَ) أيُّها الممدوحُ، وعُوفِيَ الكرَمُ.

وزالَ: خَبَرٌ ليسَ بدعاءٍ؛ لأنَّهُ خاطَبَهُ بعدَ زوالِ مَرَضِه. عنكَ إلى أعدائِكَ السَّقَمُ والمَرَضُ، وهوَ مَطْلَعُ قصيدةٍ لأبي الطَّيِّبِ يُهَنِّئُ سيفَ الدَّوْلةِ بحصولِ العافيةِ عن الْمَرَضِ، وهوَ مُشْتَمِلٌ على الإشارةِ بالتهنئةِ والبِشارةِ بالعافيةِ التي هيَ المقصودةُ من القصيدةِ، فكانَ منْ بَرَاعةِ الاستهلالِ.

وكقولِ الآخَرِ في التهنئةِ ببناءِ قَصْرٍ:

قَصْرٌ عليهِ تَحِيَّةٌ وسَلَامُ * خَلَعَتْ عليهِ جَمالَها الأيَّامُ

أيْ: نَزَعَت الأيَّامُ جمالَها وطَرَحَتْهُ على ذلكَ القَصْرِ، فضَمَّنَ خَلَعَ معنى طَرَحَ، ولذا عَدَّاهُ بِعَلَى، وكونُه من البراعةِ وإشعارُه بالتهنئةِ بالبناءِ غيرُ خَفِيٍّ.

7 -حُسْنُ التخلُّصِ:

هوَ الانتقالُ ممَّا افْتَتَحَ بهِ الكلامَ من الافتخارِ أو الشِّكايةِ أو الْهَجْوِ أو الْمَدْحِ أوْ نحوَ ذلكَ إلى المقصودِ مِمَّا افْتَتَحَ بهِ الكلامَ معَ رعايةِ المناسَبَةِ بينَهما، أيْ بينَ الْمُنْتَقَلِ منْهُ، وهوَ ما افْتَتَحَ بهِ الكلامَ، والْمُنْتَقَلِ إليهِ وهوَ المقصودُ، كقولِه:

دَعَت النَّوَى بفُرَاقِهِم فتَشَتَّتُوا * وقَضَى الزمانُ بينَهم فَتَبَدَّدُوا

دَهْرٌ ذميمُ الحالتينِ فما بهِ ... * ... شيءٌ سِوَى جُودِ ابنِ أَرْتَقَ يُحْمَدُ

فقد انْتَقَلَ منْ ذمِّ الدهْرِ، وكونِ كلِّ شيءٍ فيهِ غيرَ محمودٍ، إلى الممدوحِ، وكوْنِ جُودِه محمودًا معَ وجودِ المناسَبَةِ الظاهِرَةِ بينَهما، فكانَ فيهِ حُسْنُ التَّخَلُّصِ.

8 -بَرَاعةُ الطلَبِ:

هوَ أنْ يُشيرَ الطالِبُ في كلامِه إلى طَلَبِ ما في نَفْسِه من المطالِبِ دونَ أنْ يُصَرِّحَ في الطلَبِ، كما في قولِه:

وفي النفْسِ حاجاتٌ وفيكَ فَطَانَةٌ * سُكُوتِي كلامٌ عندَها وخِطَابُ

ففيهِ من الإشارةِ إلى ما في نفسِه من المطالِبِ ما لا يَخْفَى.

9 -حُسْنُ الانتهاءِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت