‹
الصفحة 111 من 111

هوَ أنْ يَجْعَلَ آخِرَ الكلامِ من القصيدةِ أو الرسالةِ أو الْخُطبةِ عَذْبَ اللفْظِ، حَسَنَ السبْكِ، صحيحَ المعنى، كما أنَّ حُسْنَ الابتداءِ هوَ أنْ يَجْعَلَ مَبْدَأَ الكلامِ كذلكَ، فإن اشْتَمَلَ آخِرُ الكلامِ على ما يُشْعِرُ بالانتهاءِ، أيْ بانتهاءِ الكلامِ الذي جُعِلَ ذلكَ الآخِرُ آخِرَه، بحيثُ لا يَبْقَى للنفْسِ تَشَوُّفٌ وانتظارٌ إلى ما وراءَهُ.

وذلكَ إِمَّا بأنْ يَشْتَمِلَ على لفظٍ يَدُلُّ بالوَضْعِ على الْخَتْمِ والانتهاءِ، كلفظِ الْخَتْمِ، ولفظِ الانتهاءِ، ولفظِ الكمالِ، وما يُشْبِهُ ذلكَ. وإِمَّا بأنْ يكونَ مدلولُه يُفِيدُ عُرْفًا أنَّهُ لا يُؤْتَى بشيءٍ بعدَه، مِثلَ قولِهم في آخِرِ الرسائلِ والْمُكَاتَبَاتِ: والسلامُ.

ومثلَ الدعاءِ كما في البيتِ الآتِي؛ فإنَّ العادَةَ جاريةٌ بالْخَتْمِ بالدُّعاءِ. سُمِّيَ براعةَ المقْطَعِ؛ لكونِ الْمَقْطَعِ والمنْتَهَى فائقًا من الْمُقَطَّعَاتِ التي ليستْ كذلكَ، كقولِه:

بَقِيتَ بَقاءَ الدهْرِ يا كَهْفَ أهْلِه

الْكَهْفُ في الأصْلِ الْغَارُ في جَبَلٍ يُئْوَى ويُلْجَأُ إليه، ثمَّ اسْتُعْمِلَ في الْمَلْجَأِ مُطْلَقًا كما ههنا.

وهذا دُعاءٌ للْبَرِيَّةِ شامِلٌ، ووجهُ ذلكَ الشمولِ أنَّهُ جَعَلَ بقاءَهُ سَببًا لنِظامِ البرِيَّةِ وصلاحِ حالِهم برَفْعِ الْخِلافِ فيما بَيْنَهُم، ودَفْعِ ظُلْمِ بعضِهم بَعْضًا، وتَمَكُّنِ كلِّ واحدٍ ببلوغِ مصالِحِه، فكانَ الدعاءُ ببقائِه دُعاءً بِنَفْعِ كلِّ البرِيَّةِ، فكانَ شاملًا لجميعِهم. فآخِرُ هذا البيتِ لكونِه مُشْتَمِلًا على الدعاءِ يُشْعِرُ بانتهاءِ الكلامِ لِمَا تُعُورِفَ من الإتيانِ بالدعاءِ في الانتهاءِ، فإذا سَمِعَ سامعٌ ذلكَ لم يَنْتَظِرْ بشيءٍ وراءَه. وعلى هذا فيُمْكِنُ أنْ يكونَ في إتيانِ هذا البيتِ بآخِرِ الكتابِ إشارةٌ إلى أنَّ هذا الكتابَ قدْ خُتِمَ فلا يَتَشَوَّفُ الطالِبُ بشيءٍ وراءَهُ، وإلى أنَّ مؤلِّفَهُ كانَ يَدْعُو لهُ بأنَّهُ يَبْقَى بينَ أهلِه، وهوَ أهْلُ العلْمِ، بقاءَ الدهْرِ؛ لأنَّ بَقاءَه لكونِه مُتَضَمِّنًا لِزُبْدِ وجميعِ ما صُنِّفَ في هذا الفنِّ نَفْعٌ لجميعِ الْبَرَايا.

نَفَعَنَا اللَّهُ بهِ، وبسائرِ ما عَلَّمَنا، وخَتَمَ لنا ولجميعِ المؤمنينَ بالْحُسْنَى، وآخِرُ دَعْوَانا أن الحمْدُ للَّهِ ربِّ السماواتِ وربِّ الأرْضِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا خاتَمِ النبيِّينَ وإمامِ المرْسَلِينَ، وعلى آلهِ وأصحابِه أجمعينَ.

تَمَّتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت