الحمدُ للَّهِ الذي أَلْهَمَنَا بدائعَ المعاني، وَغَرَائِبَ البَيَانِ، وَعَلَّمَنَا دقائقَ الْمَثَانِي، وَعجائبَ التِّبْيَانِ، والصلاةُ والسلامُ على مَن اصْطَفَاهُ بالإرسالِ إلى كافَّةِ الْخَلْقِ من الإنْسِ والجانِّ، وَأعطاهُ من الْكِتَابِ ما أَفْحَمَ بهِ فُصَحَاءَ عَدْنَانَ، وَبُلَغَاءَ قَحْطَانَ، ومن الحكمةِ ما مَزَّقَ بهِ حِكَمَ اليُونَانِ، وعلى آلهِ وأصحابِه الذينَ حازُوا قَصَبَ السبْقِ في كلِّ مَيْدَانٍ، وبعدُ:
فيقولُ أَحْوَجُ الْخَلْقِ إلى الْغَنِيِّ البَارِي أبو الأفضالِ محمَّدُ فضلِ حقٍّ الرَّامفُورِيُّ أصْلَحَ اللَّهُ حالَه، وأَحسَنَ مآلَه: لَمَّا رَأَيْتُ كتابَ دروسِ البلاغةِ الذي أَلَّفَهُ جماعةٌ من الذينَ لهم الْيَدُ الطُّولَى في العلومِ جُلِّها، ولا سِيَّمَا العلومَ العربيَّةَ، والفنونَ الأدبيَّةَ؛ لتعليمِ طَلَبَةِ العلْمِ في الجامعِ الأزهَرِ الواقعِ في مِصْرَ، نَظَرْتُ بعَيْنِ التأمُّلِ فيهِ فَوَجَدْتُهُ حاويًا معَ اختصارِه لِمَا حَوَاهُ مُطَوَّلَاتُ فَنِّ البلاغةِ من الأصولِ والقواعدِ، وخاليًا معَ كَثْرَةِ مسائلِه من الْمُنَاقَشَاتِ والزوائدِ، وواقعًا على ترتيبٍ حَسَنٍ لم يُعْهَدْ في كُتُبِ المتأخِّرِينَ، كما يَعْرِفُه مَنْ طَالَ نظَرُه في كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ ولذا اشْتَهَرَ اشتهارَ الشمسِ على نِصْفِ النهارِ، وَطَارَتْهُ القَبُولُ والدَّبُورُ إلى الأقطارِ، وَجَعَلَهُ أُولو العِلْمِ والبصيرةِ من الكُتُبِ التي تُقَرَّرُ دِراستُها في أكَثْرِ مَدَارِسِ الهِنْدِ مِنْ عِلْمِ البلاغةِ، وهوَ وإنْ كانَ جَزْلَ العِبَارَةِ فَصيِحَ البيانِ إلَّا أنَّ عامَّةَ الْمُحَصِّلِينَ في هذا الزمانِ يَحْتَاجُونَ في كَشْفِ ودائعِه إلى الشرْحِ والإيضاحِ، وَلم يَقَعْ لهُ شَرْحٌ إلى الآنَ؛ فلِذَا تَوَاتَرَ عَلَيَّ التماسُ جماعةٍ منْ طُلَّابِ الْعِلْمِ والكمالِ، بلسانِ الحالِ والمقالِ، أنْ أكْتُبَ لهُ شَرْحًا يُذَلِّلُ صِعَابَه، وَيَكْشِفُ عنْ وُجوهِ فرائدِه نقابَه، فأَخَذْتُ في شرْحِه، بعد أنْ قَدَّمْتُ رِجْلًا وأخَّرْتُ أخرى، لَمَّا رأيتُ الإقدامَ عليهِ أَحْرَى، وَشَرَعْتُ فيهِ مقتفيًا أثَرَ الْمُصَنِّفِ في الإيجازِ والاختصارِ، وَمُعْرِضًا عن التَّعَرُّضِ لِمَا لا مَدْخَلَ لهُ في حَلِّ الكتابِ من الْمَبَاحِثِ والأنظارِ، فجاءَ بحمْدِ اللَّهِ تعالى في زمانٍ يسيرٍ، كما اسْتَحْسَنَهُ الأحبَّاءُ، وارْتَضَاهُ الأولياءُ.
اللَّهُمَّ اختِمْ على ما عَمِلْتُهُ بخِتَامِ الرِّضاءِ والثوابِ، وَلا تَجْعَلْهُ عُرْضَةً لِكُلِّ طَعَّانٍ ومُغْتَابٍ، وَاجْعَلْهُ ذُخْرًا لي يومَ الحسابِ، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبإجابةِ الدعاءِ جديرٌ.
مقَدِّمَةٌ:
أيْ هذهِ مُقَدِّمَةٌ، فهيَ خبرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، وَلذا نَكَّرَهَا لأَنَّ الأصْلَ في الخبرِ التنكيرُ.
في الفصاحةِ والبلاغةِ: أيْ في بيانِ معنى الفصاحةِ والبلاغةِ وأقْسامِهما، وإنَّما جَعَلَ الكلامَ فيهِ مُقَدِّمَةً؛ لأنَّ الْمُرادَ بالْمُقَدِّمَةِ هنا ما يُذْكَرُ قبلَ المقصودِ؛ ليَرْتَبِطَ بهِ ذلكَ المقصودُ، وَيَنْتَفِعَ بهِ الطالبُ فيه، ولا شكَّ أنَّ بيانَ معنى الفصاحةِ والبلاغةِ مَمَّا يَرْتَبِطُ بهِ مَقَاصِدُ هذا الفنِّ، وَيَنْتَفِعُ بهِ الطالبُ فيها.
الفصاحةُ في اللغةِ تُنْبِئُ عن البيانِ والظهورِ،
يُقالُ: أَفْصَحَ الصبِيُّ في مَنْطِقِه إذا بانَ وظَهَرَ كلامُه، وأيضًا يُقالُ: فَصَحَ الأَعْجَمِيُّ وَأْفْصَحَ، إذا انْطَلَقَ لسانُه، وخَلَصَتْ لُغَتُهُ من اللُّكْنَةِ، وجادَتْ فلم يَلْحَنْ.