الصفحة 3 من 111

وهذا المعنى وإنْ لمْ يكُنْ نفسَ البيانِ والظهورِ، لكنَّه يَئُولُ إليه بنوعٍ من الاسْتِلْزَامِ؛ فلهذا قالَ: تُنْبِئُ عن البيانِ والظهورِ، ولم يَقُلْ: هيَ البيانُ والظهورُ. وأشارَ بهِ إلى أنَّ المرادَ هوَ مُطْلَقُ الدَّلالةِ، سواءٌ كانتْ بطريقِ الْمُطابَقَةِ أوْ بغيرِها منْ أنواعِ الدَّلالةِ.

وَتَقَعُ في الاصطلاحِ وصْفًا لِلْكَلِمَةِ والكلامِ والمتكلِّمِ، لكنْ بالمعنى الذي تَقَعُ وصْفًا لأحَدِ هذه الموصوفاتِ لا تَقَعُ بهِ وصْفًا للآخَرِ، بلْ بالمعنى الْمُغَايِرِ، حتَّى صارَ فصاحةُ المفرَدِ والكلامِ والمتكلِّمِ كأنَّها حقائقُ مختلفةٌ غيرُ مشترِكَةٍ في أمْرٍ يَصْلُحُ تعريفًا وبيانًا لها؛ فلذا أَفْرَدَ كُلًّا منها بتعريفٍ وقالَ مُقَدِّمًا لتعريفِ فصاحةِ الكلمةِ على فصاحةِ الكلامِ والمتكلِّمِ؛ لتوَقُّفِهِمَا عليها: ففصاحةُ الكلمةِ سلامتُها منْ تَنَافُرِ الحروفِ ومخالَفَةِ القياسِ والغرابةِ، أيْ: منْ كلِّ واحدٍ منْ هذهِ الثلاثةِ، حتَّى لوْ وُجِدَ في الكلمةِ شيءٌ منها لا تكونُ فصيحةً، وإنَّما انْحَصَرَ فصاحةُ الكلمةِ في السلامةِ منْ هذهِ الثلاثةِ؛ لأنَّ الْمُخِلَّ في فصاحتِها إمَّا عيْبٌ في مادَّتِها وحروفِها، وهوَ التنافُرُ. أوْ في صورتِها وصِيغتِها، وهوَ مخالَفَةُ القياسِ. أوْ في دَلالتِها على معناها، وهوَ الغرابةُ؛ إذْ لا يُتَصَوَّرُ فيها شيءٌ آخَرُ سوى هذهِ الثلاثةِ يكونُ مُخِلًّا بفصاحتِها.

فتنافُرُ الحروفِ، وَصْفٌ في الكلمةِ يُوجِبُ ثِقَلَها على اللسانِ، وعُسْرَ النطْقِ بها: الظاهِرُ أنَّ الثِّقَلَ في الكلمةِ سببٌ لتَعَسُّرِ النطْقِ بها، فهذا العَطْفُ منْ قبيلِ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ على السببِ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ عَطْفَ تفسيرٍ؛ بِناءً على أنَّ الثِّقَلَ في الكلِمَةِ ليسَ إلَّا عُسْرَ النطْقِ بها.

نحوَ: (الظَّشِّ) للموضِعِ الْخَشِنِ، و (الْهُعْخُعِ) لنباتِ تَرْعَاه الإبلُ، و (النُّقَاخِ) للماءِ العذْبِ الصافِي، و (المُسْتَشْزَرِ) للمفتولِ، أيْ: نحوَ وصْفِ هذه الكلماتِ؛ ليكونَ المثالُ مطابِقًا للمُمَثَّلِ لهُ. ثمَّ هذهِ الكلماتُ متفاوِتَةٌ في التنافُرِ وإيجابِ الثِّقَلِ؛ فبعضُها كهُعْخُعٍ مُتَنَاهٍ فيهِ، وبعضُها كمستشزرٍ دُونَ ذلكَ.

ومخالَفَةُ القياسِ، كونُ الكلمةِ غيرَ جاريةٍ على القانونِ الصرفيِّ: أيْ لا باندراجِها فيه، ولا بكونِها في حُكْمِ الْمُسْتَثْنَاةِ منه، وبيانُ شُذوذِها عُقَيْبَ بيانِ القانونِ، فنحوَ: أَبَى يَأْبَى، من الشواذِّ الثابتةِ في اللغةِ الواقعةِ في كلامِ الفصحاءِ، ليستْ من المخالَفَةِ في شيءٍ؛ لأنَّها في حُكْمِ المستثناةِ.

كجَمْعِ بُوقٍ على بُوقاتٍ في قولِ الْمُتَنَبِّي:

فإنْ يكُ بعضُ الناسِ سَيْفًا لدَوْلَةٍ * ففي الناسِ بُوقاتٌ لها وَطُبُولُ

البُوقُ بالضَّمِّ هوَ الذي يُنْفَخُ فيه، وَجَمْعُه للقِلَّةِ بُوقاتٌ كما في البيتِ على خِلافِ القانونِ.

إذ القياسُ في جَمْعِه لِلْقِلَّةِ: أبواقٌ، وللكثرةِ: بَوَائِقُ، والمرادُ ببعضِ الناسِ في البيتِ نفسُ الممدوحِ، يعني سيفَ الدولةِ، وكَمَوْدَدَةٍ في قولِه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت