الصفحة 4 من 111

إنَّ بَِنيَّ لَلِئامٌ زَهَدَةْ * ما لي في صُدورِهم منْ مَوْدَدَةْ

والقياسُ مودَّةٌ بالإدغامِ. والقولُ بأنَّ مخالَفَةَ القياسِ في الشعْرِ جائزٌ للضرورةِ الشعْرِيَّةِ لا يُجدِي شيئًا؛ لأنَّ الجوازَ لا يُنافِي انتفاءَ الفصاحةِ، فإنَّ كثيرًا من الألفاظِ معَ كونِها جائزةً مُخِلَّةٌ بالفصاحةِ، وهذا ظاهِرٌ جِدًّا.

والغرابةُ، كونُ الكلمةِ غيرَ ظاهرةِ المعنى: أيْ غيرَ ظاهرةِ الدَّلالةِ على المعنى الموضوعِ لهُ، فلا يَصْدُقُ هذا التعريفُ على الْمُتَشابِهِ والْمُجْمَلِ، حتَّى يَلْزَمَ اشتمالُ القرآنِ على الغريبِ لوقوعِهما فيه؛ وذلكَ لأن كُلًّا منهما وإنْ كانَ غيرَ ظاهرِ الدَّلالةِ على المعنى المرادِ لكنَّهُ ظاهِرُ المعنى الموضوعِ لهُ لسهولةِ انتقالِ الذهْنِ منهما إلى معناهما الموضوعيْنِ لهُ.

نحوَ: تَكَأْكَأَ، بمعنى اجْتَمَعَ، وَافْرَنْقَعَ بمعنى انْصَرَفَ، واطْلَخَمَّ بمعنى اشْتَدَّ: فإنَّ مثلَ هذه الألفاظِ لعَدَمِ تَدَاوُلِها فيما بينَ العربِ العُرَبَاءِ ليستْ بظاهِرَةِ الدَّلالةِ على معانيها، بلْ يُحتاجُ في معرفتِها إلى أنْ يُنَقَّبَ وَيُبْحَثَ عنها في الكتُبِ المبْسُوطةِ من اللغةِ.

وفصاحةُ الكلامُ، سلامتُه منْ تَنَافُرِ الكلماتِ مُجتَمِعَةً: بأنْ لا يكونَ في اجتماعِ كلماتِه تَنَافُرٌ، وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ الْمُعْتَبَرَ في فصاحةِ الكلامِ هوَ سلامتُه منْ تنافُرِ كلِّ واحدةٍ منْ كلماتِه للأخرى، لا السلامةُ منْ تَنَافُرِ أجزاءِ كلمةٍ واحدةٍ؛ فإنَّ ذلكَ منْ فصاحةِ الكلمةِ.

ومنْ ضعْفِ التأليفِ ومن التعقيدِ: والمرادُ ههُنا أيضًا هوَ سلامتُه منْ كلِّ واحدٍ منْ هذه الثلاثةِ، لا من المجموعِ منْ حيثُ المجموعُ. ودَلالةُ هذا الكلام عليهِ أظهَرُ مِمَّا قالَ في فصاحةِ الكلمةِ؛ لأنَّهُ أتى ههنا كلمةُ مِنْ في كلِّ واحدٍ من الثلاثةِ،

ومن الظاهرِ أنَّ تَكرارَ حرفِ الجَرِّ في مِثلِ هذا الْمَقامِ يُؤْذِنُ بذلكَ. وَمِثْلُ ما ذكَرْنا في فصاحةِ الكلمةِ منْ وجهِ الْحَصْرِ يَجْرِي في فصاحةِ الكلامِ أيضًا، فعَيْبُه في مادَّتِه تنافُرُ الكلماتِ. وفي صُورتِه، أي التأليفِ العارِضِ على الكلماتِ، ضَعْفُ التأليفِ. وفي دَلالتِها على معناهُ التعقيدُ.

معَ فصاحةِ كلماتِه: حالٌ من الضميرِ في سلامتِه، وَاحْتَرَزَ بهِ عنْ مِثْلِ قولِنا: شِعْرُهُ مُسْتَشْزَرٌ؛ فإنَّهُ وإنْ كانَ كلامًا خاليًا عنْ تَنَافُرِ الكلماتِ، وعنْ ضَعْفِ التأليفِ، وعن التعقيدِ، إلَّا أنَّ فيهِ كلمةً غيرَ فصيحةٍ، وهيَ مُسْتَشْزَرٌ؛ لأنَّ حروفَها مُتنافِرَةٌ، فلا يكونُ كلامًا فصيحًا.

فالتنافُرُ وصْفٌ في الكلامِ يُوجِبُ ثِقَلَه على اللسانِ، وعُسْرَ النطْقِ بهِ: سواءٌ كان مَنْشَأُ الثِّقَلِ وعُسْرِ النطْقِ اجتماعَ مجموعِ كلمةٍ معَ أُخرى، أو اجتماعِ بعضِ حروفِ كلمةٍ معَ بعضِ حروفٍ من الأخرى، فقولُه: نحوَ:

في رَفْعِ عَرْشِ الشرْعِ مثلُك يَشْرَعُ ... ، وكذا قولُه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت