الصفحة 5 من 111

وليسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ، من الأوَّلِ؛ إذْ لا شكَّ أنَّ مَنْشَأَ الثِّقَلِ فيهما الْتِقَاءُ مجموعِ كلِّ كلمةٍ معَ مجموعِ الأخرى.

وقولُه:

كريمٌ متى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والْوَرَى * مَعِي وإذا ما لُمْتُه لُمْتُه وَحْدِي

من الثاني؛ لأنَّ مُوجِبَ الثِّقَلِ فيهِ اجتماعُ الحاءِ والهاءِ في كلمةِ معهما في كلمةٍ أخرى، وإنْ كان مُجَرَّدُ الجمْعِ بينَ الحاءِ والهاءِ بدونِ التكريرِ لا يُخِلُّ بالفصاحةِ.

وضعْفُ التأليفِ كونُ الكلامِ غيرَ جارٍ على القانونِ: وخَفَاءُ المرادِ لِخَلَلٍ منْ جهةِ اللفظِ بسببِ التقديمِ والتأخيرِ والفَصْلِ.

وإمَّا منْ جهةِ المعنى: عطْفٌ على قولِه: إمَّا منْ جهةِ اللفظِ، أيْ: يكونُ الخفاءُ لِخَلَلٍ واقعٍ إمَّا منْ جهةِ اللفظِ، وإمَّا منْ جهةِ المعنى.

بسببِ استعمالِ مَجازَاتٍ وكناياتٍ لا يُفْهَمُ المرادُ بها: لِخَفَاءِ القرائنِ الدالَّةِ على المرادِ بها.

ويُسَمَّى هذا التعقيدُ تعقيدًا معنَوِيًّا، نحوَ قولِكَ: (نَشَرَ الْمَلِكُ أَلْسِنَتَهُ في المدينةِ) ، مُرِيدًا بألسنتِه جواسيسَهُ، والصوابُ نَشَرَ عيونَهُ؛ فإنَّ العيْنَ، لكونِها اسمًا للجزءِ الذي لهُ مَزِيدُ اختصاصٍ بالشخصِ الجاسوسِ بحيثُ يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُه بوصْفِ كونِه جاسوسًا عليهِ إذْ لولاهُ انْتَفَتْ عنهُ الجاسوسيَّةُ، تُستَعْمَلُ مَجَازًا في الجاسوسِ، بخلافِ اللسانِ؛ فإنَّهُ وإنْ كان جُزْءًا منهُ لكنْ ليسَ لهُ مَزيدُ اختصاصٍ بكونِه جاسوسًا، فلا يَصِحُّ إطلاقُه عليهِ؛ لأنَّهُ لا يَصِحُّ إطلاقُ اسمِ كلِّ جزءٍ على الكُلِّ مَجَازًا، وإنَّما يُطْلَقُ اسمُ الجزءِ الذي لهُ مَزيدُ اختصاصٍ بتَحَقُّقِ ما صارَ بهِ الكلُّ حاصلًا بوصفِه الخاصِّ.

وقولُه:

سأَطْلُبُ بُعْدَ الدارِ عنكم لِتَقْرَبُوا * وتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدموعَ لِتَجْمُدَا

فكَنَّى بسَكْبِ الدموعِ عنْ وجودِ الْحُزْنِ الذي يَحْصُل كثيرًا عنْ فِراقِ الأَحِبَّةِ. وأصابَ في هذه الكنايةِ لسرعةِ فَهْمِ الْحُزْنِ منْ سَكْبِ الدموعِ عُرْفًا، ولكنَّهُ أَخطأَ حيثُ كَنَّى بالجمودِ عن السرورِ بدوامِ لقاءِ الْأَحِبَّةِ، معَ أنَّ الجمودَ يُكَنَّى بهِ عن البُخْلِ بالدموعِ وقْتَ البكاءِ، وهوَ وقتُ الْحُزْنِ على مُفارَقَةِ الأحبابِ؛ لأنَّهُ الذي يُفْهَمُ منْ جمودِها بسرعةٍ لا دوامُ السرورِ والفرَحِ الذي قَصَدَه. وفي معنى هذا البيتِ وجهانِ: أحدُهما أنَّ عادَةَ الزمانِ والإخوانِ المعامَلَةُ بنقيضِ المطلوبِ وعكسِ المقصودِ، فاطْلُبْ خلافَ المرادِ لا غالطِ الزمانَ والإخوانَ فَيَأْتُونَ بالمرادِ، وهذا على وجهِ الظرافةِ والتخْيِيلِ الشعريِّ. والثاني أنَّ المرادَ بطلَبِ الفِراقِ طِيبُ النفْسِ به، وتوطينُها على المكروهِ المؤَدِّي إلى إفاضةِ الدموعِ لِيَحْصُلَ عنْ ذلكَ دوامُ السرورِ بدوامِ التلاقي؛ فإنَّ الصبْرَ مِفتاحُ الفَرَجِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت