الصفحة 6 من 111

وفصاحةُ المتكلِّمِ مَلَكَةٌ: الْمَلَكَةُ عبارةٌ عنْ كيفيَّةٍ نفسانيَّةٍ رَسَخَتْ برُسوخِ أمثالِها، وبتواليها في النفْسِ.

يُقْتَدَرُ بها على التعبيرِ عن المقصودِ: وإنَّما قالَ: يُقْتَدَرُ بها، ولمْ يقُلْ: يُعَبَّرُ؛ لأنَّهُ لا يَشْتَرِطُ النطْقَ بالفعْلِ، ثمَّ المرادُ بالقُدْرَةِ القُدرةُ بالمباشَرَةِ، فلا يُنْتَقَضُ بالحياةِ؛ لأنَّ الاقتدارَ بها ليسَ بالمباشرَةِ بلْ بَتَوَسُّطِ سليقةٍ عربيَّةٍ أوْ تَعَلُّمٍ وممارَسَةٍ. بكلامٍ فصيحٍ، وإنَّما قالَ: بكلامٍ فصيحٍ، ولم يقُلْ: بلفظٍ فصيحٍ؛ لِيَعُمَّ الْمُفْرَدَ والْمُرَكَّبَ كما في التلخيصِ؛ لأنَّ مقصودَ المتكلِّمِ لا يكونُ في الأكثَرِ إلَّا الإخبارَ أو الطلَبَ، وكلٌّ منهما يُعَبَّرُ بالْمُرَكَّبِ الإسناديِّ. والكلامُ في أيِّ غَرَضٍ كانَ منْ أنواعِ المعاني كالْمَدْحِ والذَّمِّ وغيرِهما، حتَّى لوْ حَصَلَ لشخصٍ مَلَكَةُ الاقتدارِ على التعبيرِ عنْ مَقاصِدِه بكلامٍ فصيحٍ بالنظَرِ إلى نوعٍ خاصٍّ فقطْ كالمدْحِ مَثلًا، لا يكونُ فصيحًا.

والبلاغةُ في اللغةِ الوصولُ والانتهاءُ، يُقَالُ: بَلَغَ فلانٌ مُرَادَه إذا وَصَلَ إليه، وبَلَغَ الركْبُ المدينةَ إذا انتهى إليها: ونُقِلَ عن التَّاجِ والقاموسِ: بَلَغَ الرجلُ بلاغةً، إذا كان يَبْلُغُ بعبارتِه كُنْهَ مُرادِه. فعلى هذا أيضًا يكونُ معناها الوصولَ، وإنْ كانَ وُصولًا مخصوصًا، وهوَ الوصولُ بالعبارةِ إلى كُنْهِ المرادِ؛ فلهذا قالَ ههنا: البلاغةُ في اللغةِ الوصولُ والانتهاءُ، ولم يَقُلْ: تُنْبِئُ عن الوصولِ والانتهاءِ، كما قالَ في بيانِ معنى الفصاحةِ.

وتَقَعُ في الاصطلاحِ وصْفًا للكلامِ والمتكلِّمِ لا للكلمةِ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّمَاعِ، ولم يُسْمَعْ من العربِ اتِّصافُ الكلمةِ بالبلاغةِ، ثمَّ البلاغةُ أيضًا لا تَقَعُ وَصْفًا للكلامِ والمتكلِّمِ بمعنًى واحدٍ، بلْ بمعاني مختلِفةٍ بحيثُ صارتْ بلاغةُ الكلامِ والمتكلِّمِ كأنَّهُما حقيقتانِ مختلِفتانِ غيرَ مشْتَرِكَتَيْنِ في أمْرٍ يَصْلُحُ تعريفًا لهما؛ فلذا بَادَرَ بالتقسيمِ أوَّلًا، وتعريفِ كلٍّ على حِدَةٍ بعدَ ذلكَ، معَ أنَّ الأصْلَ أن يُذْكَرَ التعريفُ أَوَّلًا ثمَّ التقسيمُ ثانيًا، وقَدَّمَ تعريفَ بلاغةِ الكلامِ؛ لكونِها مأخوذةً في تعريفِ بلاغةِ المتكلِّمِ، فقالَ:

فبلاغَةُ الكلامِ مطابَقتُه لِمُقْتَضَى الحالِ معَ فصاحتِه: قولُه: معَ فصاحتِه، حالٌ من الضميرِ المجرورِ في مطابقتِه الذي هوَ فاعلُ الْمَصْدَرِ، وهذا شرْطٌ لتَحَقُّقِ البلاغةِ غيرُ داخلٍ في مفهومِها؛ ولهذا لم يذكُرْهُ بعضُهم. ثمَّ لَمَّا كان معرفةُ مُقْتَضَى الحالِ موقوفًا على معرفةِ الحالِ ضرورةَ أنَّ مَعْرِفَةَ المضافِ منْ حيثُ إنَّهُ كذلكَ يَتَوَقَّفُ على معرفةِ المضافِ إليهِ، قَدَّمَ تعريفَ الحالِ ثمَّ بَيَّنَ الْمُقْتَضَى

فقالَ:

والحالُ، وَيُسَمَّى بالمقامِ: ظاهِرُ هذا الكلامِ يَدُلُّ على تَرَادُفِ الحالِ والمقامِ، وقيلَ: اعْتَبَرَ في مفهومِ الحالِ تَوَهُّمَ كونِه زمانًا لورودِ الكلامِ فيه، وفي مفهومِ المقامِ تَوَهُّمَ كونِه مَحَلًّا لهُ، فهما مُتغايرانِ بهذا الاعتبارِ، مُتَّحِدَانِ في الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الذي هوَ الأمرُ الحاملُ للمتكلِّمِ على أنْ يُورِدَ عبارتَه التي يُؤَدِّي بها أصلَ المرادِ على صورةٍ مخصوصةٍ من الإطنابِ والإيجازِ وغيرِهما.

وَالْمُقْتَضَى، ويُسَمَّى الاعتبارَ المناسِبَ: وفي هذه التسميةِ إشارةٌ إلى أنَّ مُقْتَضَى الحالِ معناهُ مُناسِبُ الحالِ لا مُوجِبُه الذي يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُه عنه، وإنَّما أَطْلَقَ عليهِ لفظَ الْمُقْتَضَى؛ ليكونَ تَنْبِيهًا على أنَّ الْمُنَاسِبَ وَالْمُسْتَحْسَنَ كالْمُقْتَضَى والمُوجِبِ في نَظَرِ البُلَغاءِ هوَ الصورةُ المخصوصةُ التي تُورَدُ عليها العبارةُ. هذا صريحٌ في أنَّ مُقْتَضَى الحالِ هوَ نفسُ تلكَ الصورةِ المخصوصةِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت