فهرس الكتاب
هيَ مَجازٌ عَلاقتُه المشابَهَةُ بينَ ما اسْتُعْمِلَ فيهِ الآنَ وبينَ المعنى الأصلِيِّ، كقولِه تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ، أيْ: من الضَّلالِ إلى الْهُدَى؛ فقد استُعْمِلَت الظُّلُمَاتُ والنورُ في غيرِ معناهُما الحقيقيِّ، والعَلاقةُ المشابَهَةُ بينَ الضلالِ والظلامِ والْهُدَى والنورُ. قالَ في الحاشيةِ: ويُقالُ في إجرائِها: شُبِّهَتِ الضَّلالَةُ بالظُّلْمَةِ، إلخ.
أقولُ: هذا الذي ذَكَرَهُ هوَ في إجراءِ استعارةِ الظُّلْمَةِ للضَّلالَةِ.
ويُقالُ في إِجراءِ استعارةِ النورِ للَّهُدَى: شُبِّهَت الهدايةُ بالنورِ، بجامِعِ الاهتداءِ في كلٍّ، واستُعِيرَ اللفظُ الدالُّ على المُشَبَّهِ به وهوَ النورُ للمُشَبَّهِ وهوَ الهدايةُ، على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ الأصليَّةِ. وسيَجِيءُ في كلامِ المصنِّفِ معنى الاستعارةِ التصريحيَّةِ والأصليَّةِ، والقرينةُ ما قَبلَ ذلكَ، وهوَ قولُه تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} ؛ لأنَّ إنْزالَ الكتابِ ليسَ إلَّا لإخراجِ الناسِ مِمَّا هُمْ فيهِ من الضَّلالِ والْغِيِّ إلى الهدى والرُّشْدِ.
وأَصْلُ الاستعارةِ تشبيهٌ لكنْ لا مُطْلَقًا، بلْ بحيثُ حُذِفَ أحَدُ طَرَفَيْهِ، هوَ المُشَبَّهُ في الْمُصَرَّحَةِ، والمُشَبَّهُ بهِ في الْمَكْنِيَّةِ، وحُذِفَ وجْهُ شبَهِهِ وأداتُه، لَيَصِحُّ ادِّعاءُ دخولِ المُشَبَّهِ في جِنْسِ المُشَبَّهِ بهِ وإطلاقُ اسمِ أحدِهما على الآخَرِ.
ثمَّ لَمَّا كانَ الاستعارةُ بهذا الإطلاقِ مَصْدَرًا صَحَّ الاشتقاقُ منْ لفظِ الاستعارةِ كما هوَ شأنُ كلِّ مَصْدَرٍ، فيُشْتَقُّ منهُ الْمُستعارُ لهُ والْمُسْتَعَارُ منهُ والْمُسْتَعَارُ، وتُطْلَقُ هذه الأسماءُ على متَعَلِّقَاتِ التشبيهِ كما أشارَ إليه بقولِه:
والمُشَبَّهُ يُسَمَّى مُستعارًا لهُ؛ لأنَّهُ هوَ الذي أتى بهِ باللفظِ الذي هوَ لغيرِه وأُطْلِقَ عليهِ، فصارَ كالإنسانِ الذي اسْتُعِيرَ لهُ الثوبُ منْ صاحبِه.
والمُشَبَّهُ بهِ يُسَمَّى مُستعارًا منهُ؛ إذْ هوَ الذي اسْتُعِيرَ منهُ لفظُه وأُطْلِقَ على غيرِه، فهوَ كالرجُلِ الذي اسْتُعِيرَ منهُ ثوبُه وأُلْبِسَ غيرَه.
ففي هذا المثالِ الذي ذُكِرَ منْ قولِه تعالى: {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} الآيةَ، الْمُستعارُ لهُ هوَ الضَّلالُ والْهُدَى المُشَبَّهَيْنِ، والْمُستعارُ منهُ هوَ معنى الظَّلامِ والنورِ المُشَبَّهِ بهما، ولفظُهما، أيْ: ولفْظُ الظُّلُمَاتِ والنورِ، يُسَمَّى مُستعارًا؛ لأنَّهُ أُتِيَ بهِ منْ صاحبِه لغيرِه كاللِّباسِ الْمُستعارِ منْ صاحبِه للابِسِه.
وتَنْقَسِمُ الاستعارةُ إلى مُصَرَّحَةٍ: وهيَ ما صُرِّحَ فيها بلفظِ المُشَبَّهِ به وأُرِيدَ بهِ المُشَبَّهُ بادِّعاءِ كونِه منْ جِنْسِه، كما في قولِه:
فأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وسَقَتْ * وَرْدًا وعَضَّتْ على العُنَّابِ بالْبَرَدِ