فهرس الكتاب
فقد استعارَ اللؤلؤَ والنَّرْجِسَ والوَرْدَ والعُنَّابَ والبَرَدَ المُشَبَّهَ بها للمُشَبَّهاتِ الغيرِ المذكورةِ، أَعْنِي استعارَ للدموعِ اللؤلؤَ، والعيونِ النرجِسَ، والخدودِ الورْدَ، والأناملِ العُنَّابَ، والأسنانِ البَرَدَ، فقدْ صَرَّحَ ههنا بلَفْظِ المُشَبَّهِ به وأُرِيدَ بهِ المُشَبَّهُ، بادِّعاءِ أنَّهُ نَفْسُ المُشَبَّهِ بهِ.
وإلى مَكْنِيَّةٍ: وهيَ ما شُبِّهَ فيها شيءٌ بشيءٍ ثمَّ ذُكِرَ المُشَبَّهُ وحُذِفَ فيها المُشَبَّهُ به ولم يُصَرَّحْ بذكرِه، ولكِنْ رُمِزَ إليه بشيءٍ منْ لوازمِه الذي أُثْبِتَ للمُشَبَّهِ ليَنْتَقِلَ منهُ إلى ما هوَ المقصودُ من الاستعارةِ، وهوَ ادِّعاءُ دخولِ المُشَبَّهِ في جِنْسِ المُشَبَّهِ بهِ حيثُ لابَسَهُ ما لَابَسَ المُشَبَّهَ به، كقولِه تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ، فقدْ شَبَّهَ فيهِ الذُّلَّ بالطائِرِ، ثمَّ استعارَ الطائرَ المُشَبَّهَ بهِ للذُّلِّ المُشَبَّهِ ثمَّ حَذَفَهُ ولم يُصَرِّحْ بذِكْرِه، ودَلَّ عليهِ بشيءٍ منْ لوازِمِه، وهوَ الْجَناحُ، وأَثْبَتَ هذا اللازمَ للذُّلِّ ليَدُلَّ على ادِّعاءِ أنَّهُ منْ جِنْسِ الطائرِ؛ ولذلكَ إثباتُ ذلكَ اللازمِ لهُ، أيْ إثباتُ الْجَناحِ للذُّلِّ، يُسَمُّونَهُ استعارةً تخييليَّةً، فإنَّهُ يُخَيَّلُ للسامعِ أنَّ المُشَبَّهَ منْ جنسِ المُشَبَّهِ بهِ. قالَ في الحاشيةِ: ويُقالُ في إجرائِها، إلخ. وتقريرُه واضحٌ غَنِيٌّ عن الشرْحِ والبيانِ.
وتَنقَسِمُ الاستعارةُ إلى:
أصْلِيَّةٍ، وهيَ ما كانَ فيها اللفظُ المستعارُ اسمًا غيرَ مُشْتَقٍّ، سواءٌ كانَ اسمَ جنسٍ كاستعارةِ الظلامِ للضَّلالِ، والنورِ للَّهُدَى، أوْ عَلَمًا مَشْهُورًا بنوعِ وَصْفِيَّةٍ، كاستعارةِ لفظِ حاتمٍ لرجلٍ كريمٍ في قولِكَ: (رأيتُ اليومَ حاتمًا) .
وإنَّما سُمِّيَتْ هذه الاستعارةُ أَصْلِيَّةً؛ لكونِها بالأَصالةِ منْ غيرِ ابْتِنَائِها على استعارةٍ أُخرى، بخلافِ التَبَعِيَّةِ التي بَيَّنَها بقولِه: (وَإِلَى تَبَعِيَّةٍ، وهيَ ما كانَ فيها الْمُستعارُ فِعْلًا أوْ حَرْفًا أو اسْمًا مُشْتَقًّا) ؛ فإنَّها تَتَوَقَّفُ وتُبْتَنَى على استعارةٍ أُخْرَى، فإنَّ استعارةَ فعْلٍ لفِعْلٍ آخَرَ، واستعارةَ اسمٍ مُشْتَقٍّ لِمُشْتَقٍّ آخَرَ، إنَّما هما باعتبارِ استعارةِ مَصْدَرِ الأَوَّلَيْنِ لِمَصْدَرِ الأَخِيرَيْنِ، واستعارةَ حرفٍ لحرفٍ آخَرَ إنَّما هيَ باعتبارِ استعارةِ مُتَعَلِّقِ معنى الحرْفِ الأَوَّلِ لِمُتَعَلِّقِ معنى الحرْفِ الآخِرِ، ففي قولِه نحوَ: (فلانٌ رَكِبَ كَتِفَيْ غَرِيمِه) ، أيْ: لازَمَه مُلَازَمَةً شديدةً، يُقَدَّرُ التشبيهُ أوَّلًا بينَ مَصْدَرَيْ هذينِ الفِعْلَيْنِ بأنْ يُجْعَلَ مَصْدَرُ الثاني، أي الْمُلازمَةُ، مُشَبَّهًا، ويُجْعَلُ مَصْدَرُ الأوَّلِ، أي الركوبُ، مُشَبَّهًا بهِ بجامِعِ القَهْرِ والتَّمَكُّنِ، ثمَّ يُستعارُ للملازَمَةِ لفظُ الركوبِ، ثمَّ يُشْتَقُّ من الركوبِ الْمُسْتَعَارِ فِعْلُ رَكِبَ، فتكونُ الاستعارةُ في المصدرِ أصْلِيَّةً؛ لأصالتِها وأَوَّلِيَّتِها، وفي الفِعْلِ تَبَعِيَّةً؛ لفَرْعِيَّتِها وتَأَخُّرِها، وهذا هوَ الحاصِلُ لِمَا في الحاشيةِ منْ قولِه: (ويُقالُ في إِجْرَائِها .... إلخ) .
وفي قولِه تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} ، أيْ: تَمَكَّنُوا من الحصولِ على الهدايةِ التامَّةِ، يُقَدَّرُ التشبيهُ أوَّلًا بينَ التَّعَلُّقِ الذي للمَهْدِيِّ بالْهُدَى، وبينَ مُطْلَقِ الاستعلاءِ الذي هوَ مُتَعَلِّقُ معنى كلمةِ على؛ لأنَّ المرادَ بِمُتَعَلِّقاتِ معاني الحروفِ على ما قالُوا هوَ ما يُعَبَّرُ عنها عندَ تفسيرِ معانيها، مثلَ قولِنا: مِنْ معناها ابتداءُ الغايةِ، وفي معناها الظَّرْفِيَّةُ، فيُجْعَلُ ذلكَ التَّعَلُّقُ الذي بينَ الْمَهْدِيِّ والْهُدَى مُشَبَّهًا، والاستعلاءُ الذي هوَ مُتَعَلِّقُ معنى كلمةِ على مُشَبَّهًا به، ووجهُ الشبَهِ بينَهما ما لَابَسَ كُلًّا منهما من التَّمَكُّنِ والتَّسَلُّطِ.