فهرس الكتاب
ويَتْبَعُ هذا التشبيهَ التشبيهُ بينَ الْجُزْئِيَّيْنِ منهما، ثمَّ يُستعارُ كلمةُ على الموضوعةُ للجُزْئِيِّ المخصوصِ من الاستعلاءِ للتَّعَلُّقِ الخاصِّ الْجُزْئِيِّ منْ مُطْلَقِ التَّعَلُّقِ بينَ الْمَهْدِيِّ والْهُدَى، فيكونُ الاستعارةُ في الاستعلاءِ الكُلِّيِّ الذي هوَ متَعَلِّقُ معنى على أصلِيَّةً، وفي الاستعلاءِ الجزئيِّ الذي هوَ معنى على تَبَعِيَّةً.
وهذا هوَ التفصيلُ لِمَا في الحاشيةِ منْ قولِه: (ويقالُ في إجرائِها شَبَّهَ مُطْلَقَ ارتباطِ ) إلخ.
وفي نحوَ قولِه: (ولَئِنْ نَطَقْتُ بشُكْرِ بِرِّكَ) ، أيْ: بشُكْرِ إحسانِك وَعَطْفِكَ حالَ كَوْنِي (مُفْصِحًا) ، (فلسانُ حالي بالشِّكايَةِ أنْطَقُ) ، أيْ: أَدَلُّ، يُقَدَّرُ التشبيهُ أوَّلًا للدَّلالةِ بالنطْقِ بأنْ يُجْعَلَ دَلالةُ حالِ إنسانٍ على شيءٍ مُشَبَّهًا، ونُطْقُ الناطقِ مُشَبَّهًا به، ووجهُ الشبَهِ بينَهما اتِّضاحَ المدلولِ، والمعنى للذِّهْنِ بكلٍّ منهما، ثمَّ يُعتبرُ استعارةُ لفظِ النُّطقِ للدَّلالةِ، ثمَّ يُشْتَقُّ من النطْقِ الْمُستعارِ الصفةُ الْمُشتَّقَةُ، أيْ: أَنْطَقُ، فتكونُ الاستعارةُ في المصدَرِ أصليَّةً، وفي الصفةِ الْمُشْتَقَّةِ تبعيَّةً.
وفي نحوَ: (أَذَقْتُهُ لِباسَ الموتِ) ، أيْ أَلْبَسْتُهُ إيَّاهُ، يُعْتَبَرُ التشبيهُ أوَّلًا بينَ مَصدرِ الفعْلِ الأوَّلِ، وهوَ الإذاقةُ، وبينَ مصدَرِ الفعْلِ الثاني، أي الإلباسِ، بأنْ يُجعَلَ الإذاقةُ مُشَبَّهًا بالإلباسِ، ثمَّ يُستعارَ لفظُ المُشَبَّهِ بهِ، أي الإلباسُ، للمُشَبَّهِ، أي الإذاقةِ، ثمَّ يُحْذَفُ لفظُ المُشَبَّهِ به ويُرْمَزُ إليه بلازِمِه الذي هوَ اللِّباسُ على طريقِ الاستعارةِ الْمَكْنِيَّةِ، ثمَّ يُشْتَقُّ من الإلباسِ الْمُستعارِ منهُ أَلْبَسْتَ بمعنى أَذَقْتَ، فتكونُ الاستعارةُ في الْمَصْدَرِ استعارةً مَكْنِيَّةً أَصْلِيَّةً، وفي الفعْلِ استعارةً مَكْنِيَّةً تَبَعِيَّةً، وهذا هوَ الحاصلُ لِمَا قالَ في الحاشيةِ: (ويقالُ في إجرائِها شُبِّهَتِ الإذاقةُ إلخ) ، فهذا أيضًا مثالٌ لكونِ الاستعارةِ في الفعْلِ تبعيَّةً كما أنَّ الْمِثالَ الأوَّلَ، أيْ قولَه: (نحوَ: رَكِبَ فُلانٌ كَتِفَيْ غَرِيمِه) ، مثالٌ لهُ، إلَّا أنَّ الاستعارةَ التَّبَعيَّةَ هناكَ تصريحيَّةٌ، وههنا مَكْنِيَّةٌ.
وتَنْقَسِمُ الاستعارةُ باعتبارِ وجودِ الملائمِ لأحَدِ الطَّرَفَيْنِ وعَدَمِه إلى:
مرَشَّحَةٍ، وهيَ ما ذُكِرَ فيها ملائمُ المُشَبَّهِ به؛ وإنَّما سُمِّيَتْ بها لأنَّ مَبْنَى الاستعارةِ على تَنَاسِي التشبيهِ، وجَعْلِ المُشَبَّهِ كأنَّهُ نَفْسُ المُشَبَّهِ به. ومن المعلومِ أنَّ ذِكْرَ ما يُلائِمُ المُشَبَّهَ بهِ يُفيدُ قُوَّةَ ذلكَ التَّنَاسِي، وبقوَّتِه تَقْوَى الاستعارةُ؛ فلذلكَ سُمِّيَتِ بالمرَشَّحَةِ بفتْحِ الشينِ من الترشيحِ بمعنى التقويةِ، نحوَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، فالاشتراءُ مُستعارٌ من استبدالِ مالٍ بآخَرَ للاستبدلِ، أيْ: لاستبدالِ الحقِّ بالباطلِ، بقَرينةِ تَعَلُّقِه بالضلالةِ والْهُدى، والجامعُ تَرْكُ المرغوبِ عنه للتَّوَصُّلِ بالمرغوبِ فيه، وذِكْرُ الربْحِ والتِّجارةِ على سبيلِ التفريعِ على الشراءِ الملائِمَيْنِ لهُ ترشيحٌ وتَقْوِيَةٌ للاستعارةِ؛ فكانت مرَشَّحَةً.
وإلى مُجَرَّدَةٍ، وهيَ التي ذُكِرَ فيها ملائِمُ المُشَبَّهِ؛ وإنَّما سُمِّيَتْ مُجَرَّدَةً لتَجَرُّدِها عمَّا يُقَوِّيهَا منْ ترشيحٍ، نحوَ: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} ، استُعِيرَ اللِّباسُ لِمَا غَشِيَ الإنسانَ عندَ الجوعِ والخوفِ وتَلَبَّسَ بهِ عندَهما منْ بعضِ الشدائدِ، والإذاقةُ التي أَوْقَعَها على لِبَاسِ الجوعِ والخوفِ ملائِمةٌ لِمَا غَشِيَهُمْ من الجوعِ والخوفِ من الْبُؤْسِ والضُّرِّ الذي هوَ المُشَبَّهُ؛ لِجَرْيِهَا مَجْرَى الحقيقةِ في البَلايا والشدائدِ، ما يَمَسُّ الناسَ منها؛ لشُيُوعِها فيها، يُقالُ: ذاقَ فلانٌ البؤسَ والضَّرَّاءَ، وأذاقَه العذابَ، فهيَ تجريدٌ لذلكَ الاستعارةِ عما يُقَوِّيهَا من الترشيحِ.