فهرس الكتاب
وإلى مُطْلَقَةٍ، وهيَ التي لم يُذْكَرْ معها مُلائمٌ أَصْلًا، لا للمُشَبَّهِ بهِ ولا للمُشَبَّهِ، نحوَ: {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} ، فاستُعِيرَ النقْضُ وهوَ الفَسْخُ وفَكُّ طاقاتِ الْحَبْلِ لإبطالِ العَهْدِ، ولم يُذْكَرْ ههنا ما يُلائِمُ النقْضَ الذي هوَ المُشَبَّهُ به، ولا ما يُلائِمُ إبطالَ العهْدِ الذي هوَ المُشَبَّهُ، فكانت الاستعارةُ مُطْلَقَةً عنْ قَيْدِ الملائمِ؛ ولذا سُمِّيَتْ بالْمُطْلَقَةِ. ولا يُعْتَبَرُ الترشيحُ والتجريدُ إلَّا بعدَ تمامِ الاستعارةِ بالقَرينةِ الدالَّةِ على وجودِ الاستعارةِ؛ لأنَّ المرادَ بذكْرِ مُلائِمِ المُشَبَّهِ بهِ في الترشيحِ وملائمِ المُشَبَّهِ في التجريدِ إنَّما هوَ ذِكْرُهما معَ الاستعارةِ التامَّةِ بقرينتِها، لا ذِكْرُهما مُطْلَقًا، وإلَّا لَزِمَ أنْ لا تُوجَدَ الاستعارةُ الْمُطلقةُ أَصْلًا؛ لأنَّ كلَّ استعارةٍ لا بدَّ لها منْ قَرينةٍ، وهيَ لا تَخْلُو عنْ كونِها ملائِمةً لأحدِ الطرَفَيْنِ، فلو اعْتُبِرَ فيها ذِكْرُ الملائِمِ مُطْلَقًا لم توجد استعارةٌ خاليةٌ عنْ أحدِهما، فلمْ يُتَصَوَّرْ وجودُ الاستعارةِ الْمُطْلَقَةِ.
الْمَجَازُ الْمُرْسَلُ
هوَ مَجازٌ عَلاقتُه غيرُ المشابَهَةِ، وهيَ متَعَدِّدَةٌ:
كالسببيَّةِ في قولِك: (عَظُمَتْ يدُ فلانٍ) ، أيْ: نِعْمَتُه التي سَبَبُها اليَدُ؛ لأنَّ منْ شأنِ النعمةِ أن تَصْدُرَ عن اليدِ، ومنها تَصِلُ إلى الشخصِ المقصودِ بالنعمةِ، فإطلاقُ اليدِ على النِّعمةِ فيما ذُكِرَ منْ إطلاقِ السببِ على مُسَبِّبِه.
والْمُسَبَّبِيَّةِ في قولِك: (أَمْطَرَت السماءُ نَبَاتًا) ، أيْ: مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عنه النباتُ، فذُكِرَ النباتُ وأُرِيدَ المطَرُ؛ لأنَّ المطَرَ سببُ النباتِ، فهوَ منْ إطلاقِ الْمُسَبَّبِ على سببِه، وهذا عكْسُ الأوَّلِ.
والْجُزْئيَّةِ في قولِك: (أَرْسَلْتُ العيونَ لتَطَّلِعَ على أحوالِ العدوِّ) ، أي الجواسيسَ، فقدْ أُطْلِقَتِ العينُ التي هيَ جزءُ الجاسوسِ عليهِ، وهوَ الشخصُ الرقيبُ الذي يَطَّلِعُ على عَوْرَاتِ العدوِّ، ولكنْ لا يَصْلُحُ إطلاقُ كلِّ جزءٍ على الكلِّ مَجازًا، وإنَّما يُطْلَقُ اسمُ الجزءِ الذي لهُ مَزِيدُ اختصاصٍ بالمعنى الذي قُصِدَ من الكلِّ كما في هذا المثالِ؛ فإنَّ الإنسانَ إنَّما يصيرُ جاسوسًا وشخصًا رَقِيبًا بالعينِ، إذْ لوْلاها انْتَفَتْ عنه الرَّقِيبيَّةُ، بخلافِ اليدِ وغيرِها منْ أجزاءِ الجاسوسِ سوى العينِ، فإنَّهُ لا يَجوزُ إطلاقُها عليه، وقدْ مَرَّ مثلُ هذا في بحثِ التعقيدِ.
والكلِّيَّةِ في قولِه تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} ، أيْ: أنامِلَهم، فاستُعْمِلَت الأصابعُ في الأناملِ التي هيَ أجزاؤُها.
واعتبارِ ما كانَ الشيءُ عليهِ في الزمانِ الماضي وليسَ عليهِ الآنَ، كما في قولِه تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} ، أي: البالِغِينَ، فقدْ أَطْلَقَ اليتامَى على البالغِينَ باعتبارِ أنَّهُم كانوا على وَصْفِ اليُتْمِ قبلَ البلوغِ، وليسَ هذا الوَصْفُ موجودًا لهم الآنَ؛ لأنَّ إيتاءَ المالِ إنَّما هوَ بعدَ البلوغِ.